القائمة الرئيسية

الصفحات

أقصوصة " طفولةٌ ولكن " آية أحمد الخطيب



آية أحمد الخطيب بلسان: براءة جمال 

عصام مسالمة بلسان: المحامي والقاضي.


محكمة الجنايات في دمشق


الأربعاء الموافق السادس عشر من شهر آذار من عام ألفين وأربعة ميلادي..

16/3/2004 


الجاني: براءة جمال.

المجني عليه: روح الطفولة المدفونة بشهيق الروح.

الجريمة: جنايةُ دفعِ الطفولة الحاضرة بها على الانتحار.

محامي أو وكيل الجاني:

 أ. أمجد مُراد.


 محامي أو وكيل المجني عليه:

غائبٌ أو منفي لأسبابٍ مُحالة لم ينصْ عليها القانون السوري..


محضر الجلسة:

يبدأ المحامي أمجد بالجلسة مخاطبًا القاضي:

سيدي القاضي، حضرات المستشارين والحاضرين،

أقفُ الآن بينكم، ولا أُخفي عليكم ملامح الدهشة التي تعصفُ بي..

 كما أنتم مستغربون من هذه الجناية، ما هو الدافعُ إليها؟

كيف لجانٍ بهذه التركيبة التي تخطتْ دراسة علم الإجرام والعقاب، أن يقدمَ على فعل هذا...

سيدي القاضي،

بصفتي أنا نائبٌ قانوني عن موكلتي، يحقُ لي أن أُفسر الواقعة من نظرتي بعد دراسة وتحليلٍ مُسبق.

لا شكّ أن ما أقدمت عليه براءة، يندرجُ تحت قائمة المحظورات سيادة القاضي، لكن كما تعلمنا بدراستنا الجامعية أن هُناك أسباب تبرير وتخفيف لابُدَّ أن تكون موضعًا للنظر والاعتبار.


براءة جمال فتاةُ جميلةٌ واسمها، عنوانٌ بسيط لمظهرها الوسيم. 

الحياةُ شائكة وصعبٌ على نحلة البقاء والصمود بوجه أشواك دون تعثرٍ أو وخزِ على درب الزمان.

في حرقةِ الأيام الموجعة يا سيدي،

كان لابُدَّ ل " براءة" أن تُفكرَ مليًا كيف ستنتقم بطريقةٍ أو بأخرى من هذا الكون اللعين، فأغصانُ الطفولة ما زالتْ تتمدد بداخلها بين موقفٍ وآخر، بضحكةٍ بعينيها اللتين ينبتُ فيهما اللوز والنعنع بعيدًا عن أنياب هذه الغبراء المتوحشة.

أو بدمعةٍ تهتزُ من أجلها ينابيع الأرض شغفًا وفرحًا أو حتى بهمزةٍ موسيقية من صوتها، تنام على أثرها كُلُّ عصافير الأرض.

ألا يكون تكوين هذه الفتاة يا حضرة المستشارين عُرضةً للتعجب والاستفهام معًا؟.


ولنعتبرَ يا سيدي القاضي، أنّ هذه الغيمة اللطيفة أمامكم بكلِ ما فيها من أحاسيسٍ وحسن عجزٌ عليها أن تواجهَ أمواجًا من الرياح تتكالب على صدرها، دون أيّ ردة فعل ترمي بها، لكي تتخلص من أعباء الطفولةِ المُثقلةِ فوق كتفيها. بعد ما أرخت بطانية الصوف على جسدها المرتجف ذُعرًا من هذا الكون...


بدأت براءة تخطُّ ما يجولُ في صدرها لتتخلصَ من عواصف العمرِ والأيام.

رمتْ نظرها نحو السكين التي كانت تقطع بها الحلوى عادةً؛ و إذ بأنّها تظهرُ بزيٍ مُغاير، تحاول براءة أن تجربَها قاربًا يصبُ في بحارها العذبة على غير المُعتاد كما كغير البحار المالحّة.

بسرعةٍ بدأت تنزفُ و ترسمُ مرسى للانتقام، لكن سُرعان ما فوجئت بنفسها تحت تأثير العناية المُركزة في المستشفى؛ لتلقى فشلَ محاولتها بعد تلك الزوبعة.

فيا سيدي القاضي أتمنى منك أن تقرأ القضية من وجهةٍ إنسانية عاطفية، تحللُ فيها كلَّ الأحداث السابقة بنظرةٍ قانونية نافذة.


القاضي:

على مرِّ الخمسين عامًا من مزاولتي لمهنة القضاء، أعترفُ أمام ملأ الحاضرين هُنا أنّها القضية الأغرب التي يُطلبُ مني أن أكون فيها حكمًا.

أستاذ أمجد! لقد سمعنا الرواية بلسانك كاملةً؛ آنسة براءة لكونكِ مُدانةً من القانون، فيحقُ لكِ أن تدافعين وتقولين ما شئت ضمن الحدود.

براءة: سيدي القاضي اسمعني باللهِ عليك، أنصفني، مادفعني لمحاولة قتل هذا البريء الذي بداخلي أسباب عديدة...

هو من كان يسبب لي المتاعب، يُرهقني بحب الآخرين، يدفعني لمساعدة الرفاق واللارفاق.

يُبقي على وجهي ابتسامة دائمة ومُزيفة، يجبرني لأن أطلق عنانَ عفويتي المُفرطة،

سيدي هذه حكايتي..

كُنت وحيدةً بقدرِ ما قيل عني صديقة جيدة، وابنة مَرضية، وحبيبة كالوردة اليافعة. 

في مساءٍ ما، كان الحزنُ يأكل حُنجرتي وتلك الليالِ قد كانت حالكة، 

علمتُ بخيانة إحدى الصديقات السَّماويات مع من ياسيدي؟

 مع رفيق دربي، تألمتُ وشعرتُ أن دمي لا يسري بجسدي، وعلى حين الغِرة وبختني أُمي فظن أخي أن الحقَ على طفولتي، راحَ مُمسكًا بيدي يجرني خلفه بقسوةٍ مفرطة، لم أبكي كُنت ابتسم، لا أدري لمَ!. 

 أقفلَ الباب على قلبي، ومنعني من ممارسة طقوسي المُحببة قال: "لادراسة بعد اليوم، لا خروج لا صداقات ". 

صمتٌ يستبيح جوفي، والحروف تخونني فلا أستطيع البوح وأنا أُريدُ الكلام! 

لماذا؟

لأنني فتاة تبدو بعيونهم ضلعًا قاصرًا، وعارٌ أن أطالب بحقي، عيبٌ أن يُسمع صوتي. ودائمًا من المفروض عليّ أن أهزَ رأسي بكل شيء ولو كان على حساب حياتي. 

أتدري أيها القاضي؟ لست طفلة عن عبث ولا أتحلى بهذه العفوية وحب الحياة هكذا من الله، 

 فأنا دُمرت مرارًا وتكرارًا، ومرت على روحي أيامًا عصيبة، لايعلم بها إلّا هو سبحانه. لم أرتكب أي ذنب يجبرهم على معاقبتي بهذه الطريقة، أغلقوا النوافذ أيضًا، شعرتٌ وكأنّني أختنق. 

ينقبضُ صدري وأتحسسه بيدي وأقول سأتغير وسأظهر شخصيتي الثانية، يأتي الطفل الذي بداخلي مهرولًا ويقول: لا لا أنتِ ملائكتنا الطاهرة..

قولوا لي أنتم ياسادة، أليس من حقي أن أتخلص من هذا الصغير، مدمن الضحكات الساذجة وحب الناس الغير مُقدِرة وأفلام الكرتون المزعجة؟


صمتٌ مدهش ملئ القاعة، وعيونُ القاضي كادت تلتهم المُتهمة، ماهذه الفتاة كالياسمينة المُشرقة؟

من أسماها بالبراءة؟! فلا ريب بأنك تتعرضين لهذا العنف الأسري.

براءة: ليس فقط أُسري، بل من العالمِ بأسره كاملًا، ففي هذا العالم لا عيش للحنون، المستبد القاسي هو من يغرد بأجنحته عاليًا، فيفوزُ صاحبُ الروح الجشعة على ذو الابتسامة المُتسرمدة.

سيادة القاضي..

لن أبكي الآن، فما اعتدتُ أن أبكي أمام أحد،أنا أقوى من هذا بكثير.

أنتظرُ منك الحُكمَ لأني سأكون به قانعةً راضية. 


القاضي و بعد تشاورٍ مع القضاة المستشارين:

باسم الشعب؛ بالتدقيق؛ قررت المحكمة ما يلي:


بعد السمع والتقصي والتفحص لقصة الغادرة المغدورة براءة ثُبتَ أن المُدانّة "براءة"، قد تعرضت لإكراه فاعله سوداوية وقساوة عالمها التي عاصرته، ووفق هذه المُعطيات:

-تُجرد المدعوة "براءة" من اقترافها لجناية دفع روح الطفولة التي بداخلها على الانتحار.. 


-الأخذ بمعنى الاسم المنسوب لها" براءة" وبهذا تقرر المحكمة إعفاء المدعوة من عقوبة الجناية المنسوبة لها والحُكم عليها بالبراءة المُطلقة.


قرارًا وجاهيًا غير قابلٍ لطعن...

باسم الروح وباسم ما حركَ المشاعر الهائمة بجمال العيون، أنسبُ حاضري ومستقبلي من هذه اللحظة إليكِ أنتِ. ومنه أعترفُ لكِ على ودي بأن تكوني قفصًا حنونًا لقلبي.

فأنتِ ضاقت بكِ النفسُ وضاقت بيننا المسافات ولأجل ما انتظرته طيلة عمري، ولأجل الحُبَ الذي يغوصُ بيَّ الآن، أحكمُ عليكِ رفيقةً وحبيبةً مُرغمًا على ذلك بقوة الصبابة.

تُرفع الجلسة وتمرُ فصولٌ من الطفولة الجميلة على أرواح الحاضرين.

تعليقات