القائمة الرئيسية

الصفحات

خاطرة " كلُّ ما يحتاجهُ الأمر بضعةُ سَنتيمترات " بتول سامر نعمة



 تنقطع أخبارهُ عني لمدةٍ ليست بقصيرة و من ثم تباغتني التفاتاتهُ بين الحين و الآخر.

مزاجيٌّ و متناقضٌ هو إلى حدٍّ مخيف ، لكنّي لا أهابُه فمن خُلقت طِباعُها شوكةَ صبارٍ لا تُرعبها رؤيةُ طِباعِ شوكةِ الوَردِ ، فلا أقِلُّ عنه بالمزاجيةِ و التناقض ذاك شيئاً و ربما هي نقطتنا المشتركة الأكثرُ وضوحاً.

إلّا أنني أعترف بأنهُ الوحيد الذي أستطاع تشذيبي و صقلي لشخصٍ لا يشبهُ حتى انعكاس ظلي القديم.

فما كنت أقبلُ بالوسط من أيِّ شيءٍ قط ، و لا أحلمُ لنفسي بحُبٍّ معقدٍ و فوضويٍّ لا أعرفُ له لا مدخلاً ولا مخرجاً.

لقد كنت أطمح أن أكونَ طيراً جامحاً على الدوام لكنني تناسيتُ أن أجنحتي آن ذاك كانت غضّةً فكان مآلُها أن تُكسَر بفعل ريح الحياة العاتية ؛ حينها أُجبرتُ على الهبوط فصادفتني قمة أغصان شجرة الجنرال شيرمان ، فما استطاعت يدٌ أن تطالني و تحررني ، و لا حتّى أقوى عاصفةٍ قدريَّةٍ استطاعت إزاحَتي لمكانٍ أكثرَ أماناً.

أما ما قبل تلك الآونة كنتُ عنيدةً جداً ، أخذتُ أحلقُ مع أحلامي عالياً جداً ، فعاقبتني الحياة بانتظارٍ طويلٍ لمن ينقذني.

لقد كان العابرون في أسفلِ هذه الشجرة كَثيرون جداً ، لم يلحظني أحدٌ رغم زقزقةِ كلماتي المُطْرِبة إلّاهُ.

فما كان منه إلّا أن حاول مراراً و مراراً الوصول إليّ ، لكن تلك المسافة الشاهقة و الفاصلة بيني و بينه حالت دونما الوصول.

بدأتُ أُنشِدُ القصائد و الألحان مبتغيةً إعلامه بأني أغرمتُ بتفاصيلٍ و أساليبٍ و صوتٍ و جرأةٍ لم يمتلك أحدٌ سواه أيّاً منها قط ، فبادلني إعجابهُ بما أملكُه من أشياءٍ مُطربةٍ للروح.

أخذنا نُرتِّلُ أحلامنا حلماً حلماً ، و نَبْني في مخيلتنا قصصاً تليقُ بحبنا و لهفتنا للوصلِ ؛ معهُ كنتُ أشعر بأن أجنحةً نَبَتَت لي عوضاً عن تلك المكسورة وعدتُ مجدداً لأحضان السماء أُحلِّق.

استفَقتُ في صباحٍ أقل ما يمكن وصفه بالدميمِ ؛ لم أجد ذو العينين العسليتين المُشرقتين جالساً في أسفل شجرتي ، صرختُ بذُعرٍ غير مسبوقٍ مروره عليّ : تراها أين غابت شُموسي ، لمِ أصبحت الدنيا فجأة ليلاً حالك السواد !.

لم يأتِني ردٌّ قط و لا حتّى صدى ؛ مرّت ليالٍ عديدة و كلُّ ليلةٍ كانت تحملُ في جعبتها كمّاً مَهولاً من الكوابيس المرعبة كالوحدة و الكآبة و فرط التفكير ، و من أقسى نتائجها التي قُدِّرت لي هي الانتظار و عدم الاستسلام للنوم كي أراقب الطريق حتى جافاني شقيقُ التَّعبِ هذا تماماً.

عندما عاد صرختُ به عاتبةً فخلعَ قميصه لأجد جسده ممتلئاً بجراحٍ نازفةٍ لم تندمل بعد ؛ و عندما سألت عن مُسببها فصاحَ بي : تجلسين في الأعلى تغردين الحب بأمان و في الأسفل متاهةٌ لا ترحم ، كثيرةٌ هي أفخاخ الظروف و الضغوط المضرَمةٌ في كلِّ مكان ، لا قدرةَ لي على تحمل حِملٍ آخر فكفي عمَّا تفعلينهُ و اكتمي ما تشعرين به فليس الآن وقتُ الحب ؛ إنه عِبءٌ ليس إلا في زماننا هذا.

منذ ذاك الحين مُنقذي جريح لا أستطيعُ تطبيبهُ ، و أنا متألمة لا أستطيع الصراخ حتّى أجعله يدرك ما أصابني ، أكل الصمتٌ تغريدات قلبي و قلقي على وتينه كبَّلني أكثر من كُسوري.

كان يغيب كثيراً و علمت أن السبب كان بحثه في هذه المتاهة عن الطريق الصحيح الذي يصله بأحلامه و طموحه ، و لكنه في كلّ مرةٍ يعود بها كانت جراحه تزيد إما جرحاً أو عمقاً ، كنت أتلوى عجزاً في مكاني ، بينما هو و لشدة ثقل حِمله كان يبحث عن طرق ليخفف عن كاهله شيئاً ما و إحدى السبل كانت نكران كلِّ ما شعره يوماً اتجاهي و جعله شيئاً من المودّة و الصداقة.  

قبلتُ على مضضٍ مواسيةً نفسي قائلة : لا تهمُّ المسميات المهم وجوده ؛ و لم أكن أدري أن لدفنِ الشعور و الكتمان آلامٌ لاذعة لا تُحتمل فبِتُّ كمن يستجيرُ من الرَّمْضاءِ بالنَّار.

 أصبحت أحيكُ كلّ ليلةٍ من الصبر أعذاراً تكفيني و تكفيه مائةَ عامٍ فأكثر و أخذتُ أُزيّنها بالنجوم التي شَهِدت على أدعيتي و إخلاصي له فأصبح لديَّ وشاحٌ من الانتظار بطول المسافة بيننا ، لكن الخيطَ الأخير من صبري انتهى قبل أن يلامس الوشاحُ يده بعدة سَنتيمترات كي يتسلقه وصولاً إليّ ..

عند عودتهِ رأى الوشاحَ البرّاق ذاك و نظرَ مليّاً إلى المسافة الفاصلة بينه و بين يده لكنَّه تمتم لي : يا صديقة إياكِ و المجازفة بالوصول إليّ فالأمر خطيرٌ هنا و ليس لعبة ألغاز ثم عاد للغياب.

 فلا هو قفز قليلاً ليطاله و ينال ملجأً فيحتضنهُ حُبٌّ آمن و لا ابتسم لي بحنوٍ مُشجعاً جرأتي للنزول ؛ كنت سأجعل من روحي قُرباناً لو أنه اكترث لمجهودي من باب التقدير لحبّي السَّرمديِّ له.

شاءت المتاهة أن تُنمِّي لديه عِناده ليسرق منه خوضِ غمارِ الطموح لذّة اغتنام ثمار العاطفة التي افتُرِشَت له على جوانب الطريق كي يأخذ منها كفايته بغيةَ تقويته و دعمه ليكمل المسير حتّى وصوله لكل ما يرغب في تحقيقه.

كما شاء ذاك الحُبُّ المتأصل في داخلي له أن يجعلني رهينة انتظار ، و برغم كلِّ شيءٍ أراه يباغتني دوماً بالعودة فأحمدُ الله ، لكن الأيام كانت تلهثُ مسرعةً و هو لم يبادر قط بشعور لهفة ؛ و إذ بالأيام تصبح سنين و بين كل سنةٍ و سنة تكبُر أكثر هذه الشجرة و تزداد السَنتيمترات سَنتيمتراتٍ أُخرى تُبعده مجدداً عني ، و أنا لم يعد بجعبتي شيءٌ أحيك به هذا الوشاح إلّا أثيرٌ من أمل و إيمانٍ بالدعاء.

تعليقات