القائمة الرئيسية

الصفحات

"كبر غيابك" بقلم: فاتن سامر المدلل - سوريا


كبر غيابك



منذ يومين
وأنا أستند على حائط غيابك


كبر غيابك
لم يعد ذاك الطفل
الذي كانه منذ شهر واحد فقط


بات حائطا كبيرا
لقد تغذى علي
ازداد حجمه بينما تضاءلت أنا


ملابسي جميعها
لم تعد صالحة
غدت فضفاضة وواسعة
بشكل ملفت للنظر


أغادر غرفتي هربا
من أربعة جدران تمثل غيابك
بدقة متناهية
وأمشي في الطرقات على غير هدى
فيصاب من يراني بذهول
وبفم مفتوح أكثر من اللازم
يشير باصبعه نحوي
وكأنني غدوت أصغر من أن أكون
كائنا بشريا


أبحث عن أي زاوية أجلس فيها
بعيدا عن أعين المارة
وحيثما أضع ظهري أجد غيابك
خلفي تماما كلص صفيق
يحاول سرقة مابقي لدي من أمل
في لقاء نتوحد فيه مرة واحدة
قبل أن تدهسني حافلة الخيبة
بعد طول انتظار


اليوم لاحظت أنك مذ وجدت
وأنت غائب تماما
لم توجد أبدا
مجرد وهم أقنعت نفسي فيه
حتى صار حقيقة
وأنني أهذي بأشياء لا وجود لها
كي لا أصاب بجنون مبكر


ففي وطني نعيش بمنفى
ولا نستطيع أن نتفوه ببنت شفة
مهما حدث
نعاني بصمت حيث لانريد لألسنتنا
أن تقطع
هنا حيث تموت جوعا أو بردا
أو قهرا لربما
يجب أن تفكر مليا قبل أن تتحدث
وأن تتحاشى التكلم في الدين
خوفا من الصراعات الطائفية
وتنسى ماذا تعني السياسة
اتقاء لالجهات الأمنية


بل كي تعيش هنا
عليك أن تمارس فعلا شنيعا
كالجريمة مثلا
وأنا كوني لا أود أن أثير حربا طائفية
ولا أن أغضب السلطات العليا
ولا أريد أن أمتهن القتل أو السرقة
كوني ولدت في مجتمع يضع الإنسان
داخل قضبان صدئة
ويمنعه من الطيران
حتى في هذه المساحة الضيقة
لذا لجأت لخيالي


أرسم أشخاصا وأعيش معهم
في مخيلتي فقط
هناك يمكنك أن ترفرف عاليا
وأن تحلم بأن تكون إنسانا
أما هنا فللأحلام ضريبة باهظة
سيصفعك الواقع بقسوة لتصحو
من أحلامك مذعورا
مبللا بنطالك المهترئ
وفراشك الممزقف
نحن الفقراء الذين نعمل لندفع
ضرائب الأوكسجين الملوث بالخوف
لا يمكننا أن نحلم
كي لا نعتقل بتهمة تعاطي الممنوعاتعت


أما أنت ياحبيبي الغائب فتشبهني كثيرا
لا وجود لك، ولا تتقن سوى الغياب
ولا يكترث لأمرك أحد
كلانا كالجدران
نرى مايحدث في الظلام
نشعر بحرارة الدموع
في ليالي الشتاء الطويلة
وتتورم أقدامنا من الوقوف
إلى أن يأتي أحد بيده مطرقة
فيبترها جزء تلو الآخر وينهينا
لكن بعد كل هذا الصبر
هل سنسقط صرعى ياترى؟

تعليقات