القائمة الرئيسية

الصفحات

أقصوصة "يَاقُوتٌ وَلازَوَرد، وَسِيطُهما البَازِلت" بقلم: سَارة مِيلاد الزّيتون - سوريا

"يَاقُوتٌ وَلازَوَرد، وَسِيطُهما البَازِلت"


خَرَجتُ من تلك الزِّنزَانةِ الفَسِيحَةِ متأبِّطةً دُرَوسًا جمَّة أَشعلَتْ جَمرَ التَّفكِير وَالطُّمُوحِ فِي ذِهنِي.


كان يَوماً مثلَ ابن السَّبِيل، أَجُولُ في المَكتَبةِ أتأمَّلُ رَونَقَ الرُّفوفِ المحشوَّةِ بالكُتبِ ذات الأَغلِفةِ الملوَّنةِ التَّي تشكِّلُ لوحَةً قُرمزِيَّةَ المَظهَر.
لَفتَ ناظِريَّ بين مَجمُوعةِ المَرجَانِ الأََحمَرِ وَاليَاقُوتِ كتاباً لازََورديُّ اللَّون -يُشبِهُنِي باختِلافِه حقّاً-..
أَمسَكتُهُ وبدأت بتصفُّحه، لم يكن كتاباً حَدِيثاً وَلا عَتِيقاً، وَكأنَّه ليس كتاباً.. خَشبِيُّ المَلمَسِ، عريضُ الخطِّ قاسِي الصَّفحَاتِ التي غَلغلتِ البخُّور في دوَاخِلها.
مُرِيبٌ وَرائعٌ، أخذتُه وَرمَيتُ خبراً عِندَ صَاحِب المَكتَبة بأنَّني سأستعِيرُ ذلك السِّحرَ الغَرِيب.
فرمى جوابه ملِحّاً بالحَذر الشَّديد من ذلك السِّحرِ الخَطِير.
لم أعُد إلى مكتَبي كعَادتِي عندما أريدُ كِتابةَ خَاطِرةٍ أو قِراءةَ كِتابٍ جَديدٍ، ذهبتُ إلى حَضرةِ الطَّبيعة، في غَسقِ الشَّمس وتَجلِّي السُّهَيل في السَّماء.
فتحتُ قِفل ذلك التَّرَف، بدأتُ أكتَشفُ أَسرَارهُ لأُفشِيها لذَاكِرتِي، وَتهجَّأت:
"الخَيال، سِلاحٌ أبيضٌ فتَّاكٌ يُحارِبُ الوَاقِع..."
لم أُنهِ كلامِي بعد، حتَّى اهتَزَّ الكِتابُ بقوَّةِ وَسَحبنِي بينَ غِلافَيه، تزَحلَقتُ في دَربٍ سَريعٍ كالقِطارِ المَجنُونِ، يُحِيطهُ الكَثيِر مِن الأَحجارِ الكَريمَةِ اللَّامِعة، سَقطْتُ في محيطٍ عَميقٍ من الرُّوبِي وَالفَيرُوزِ المَصهُورَين، برَّاقٌ كأنَّما الأجرامَ اجتَمعَت لتَرُشَّ بَريقَها كالمِلحِ لذلك المُحِيط.
سُحُباً عجيبةَ تجمَّعت لتكوِّنَ رِسالةً كانَ مَضمُونها:
"من يَغُوصُ في بُحُورِ هذه المجرَّاتِ الأَرضِيَّةِ يَكتَسبُ غَلاصِمَ الفُضولِ وَإرادة النُّضجِ لكَي يَستطِيعَ التَّنفُّسَ، هنَاكَ أبوابٌ كثيرةٌ في العُمقِ عليكِ اكتِشافُها، غُوصِي من فَضلِك.."
سَبِحتُ حتَّى وَصَلتُ إلى مَنطقةِ اليَابِسة في ذلك المَجَاز، كان هناك بابٌ واسِعٌ مُزخرَفٌ بزَهرِ اللُّوتُسِ وَالأُقحُوَان، كُتِبَ فَوقَه بلافِتةٍ دُهِنَت بلَونِ القَمر:
"عَوالِمُ الخَيالِ المُرِيح".
اجتَزتُ تِلكَ العَتَبة، لاقَيتُ ذَاتِي بينَ أَحلامِي وَطُموحَاتِي كأنَّني حقَّقتهُا كُلَّها، وَجدتُ علمَ البِلادِ التي أتَمنَّى السِّياحَةَ فيها و كأنّّني قَد وَصلتُ إلى عَاصِمتها منذُ بُرهَةِ وَرئِيسُ تِلكَ الجُمهُورِيَّة يُرحِّبُ بِي الآن.
تَابعتُ سَيرِي في ذاكَ الدَّربِ الذي اتَّخذَ من التَّفاؤلِ جَوهَراً له، حتَّى اجتَزتُه وَخَرجتُ مِن الجهة الأُخرَى لأعثُرَ على تبويبٍ ثانٍ أكثر وِسعاً انتَحَلت لافِتُتهُ شَكلُ القَلبِ وَالعَقلِ معاً، كُتِبَ فِيها:
"الحُب"
بِلا وَصفٍ...
فَوجَدتُ حَبِيبي "وَرد" قادِماً من مَنفَاه أخيراً فَارِداً ذِراعَيهِ برَحَابةِ صَدرٍ، هَمَّ بإلقاء شِعرِ الغَزَلِ كعَادَتِه، تَعانَقنا وَقُلوبنا تَلاحَمت وَالأَروَاحُ تَخَاطرَت.
رَاحَ يَسكُبُ اليَاسَمِينَ وَالجُورِي على شَعرِي، ثمَّ مَسَّ وَجنَتايَ كَمَن يَتفَحَّصُ تُحفَةً زُجَاجِيَّةَ القَوامِ،
ثمَّ فَاهَ بصَوتِ الشَّحرُورِ المُشتَاق:
"سَأراكِ بعدَ قَليل في مَكانٍ لن وَلم تَتوَقَّعِيه، عَليكِ مُتابَعةُ دَربِك".
استَأنَفتُ المَشيَ حتّى وَقَفتُ أمَامَ بوَّابَةِ حَدِيدِيَّةٍ يَحرُسُها تنِّينَين أسوَدَين، حُفِر على وَاجِهَتِها اليَاقُوتِيَّة:
"المُحَارَب."
قلتُ في نَفسِي:
"إنَّ هذه المَحطَّة ستَكونُ الأَجمَل".
يمَّنتُ وَجهِي نحوَ المَمَرِّ الضِّخم، خَطَوتُ خُطواتٍ قَليلَةٍ،
لِيحدُثَ زِلزَالٌ مُرعِبٌ، إِنهَارَ اليَاقُوتُ ليَسُدَّ طَرِيقَ العَودَة، إنتَقَلَتْ فُحُومَةَ الحُرَّاس إلى المَكانِ كُلِّه، عَادَ الفَيروُزُ مَع بَعضِ اللَّازَوَرد إلى القَوَامِ الصَّخرِي وَأَمطَر فَوقَ رَأسِي كالبَرَد، أَزعُق في هذا الفَرَاغِ مَا مِن مُجِيب،
رَأيتُ حِبِّي وَقد أتَى نَحوِي بَطيء الحَماسِ وَالشَّرُ مَمزُوجاً بالشَّرَرِ يُنضَحَان مِن مُقلَتَيه، أَقلامُ تِلك المَحطَّةِ شَرَعَت تَنقُشُ طَلاسِماً على الجِدَار، مِنها مَا يَكتُبُ:
"أنتِ لا تسعِينَ إلى تَحقِيقِ أَهدَافِك، لذلك رَأيتِها في عَوالِم أُمنِيَاتِك".
قلمٌ آخرٌ دوَّنَ:
"الوَردِيَّةُ مُضِرَّةُ إن كانَت تُلغِي وُجودَ الوَاقِع الأَسوَد، لا بُدَّ مِن السَّوَادِ لكَي تَستَشعِرِي قِيمَةَ الألوَان.
خَرقَاء، لمَاذا تُحارِبينِي؟"
وَحِبرٌ آخرٌ لطَّخَ الجُدرَانَ بأَحرُفٍ ركَّبَت تِلك الجُمَل:
"المَجَازِياتُ سَهلَةٌ مُفرِحَةٌ إلّا أَنَّها عَابِرة، أمَّا الثَّوابِتُ صَعبَةُ المَنالِ وَالفَهم، وَقَد اختَبأت فِي ثَنايَا ظَلامِ التَّجَارُب."
وَبعضُ الأَقلامِ نَقشَت على البَرَد:
"إن لم يَكُن أَلمَاسُ المَوهِبَة قَد صُقِلَ ليُلائِمكِ فتَأكَّدِي أنَّكِ اختَلقتِهِ ألمَاساً، أَيقِنِي أنَّهُ لا يَزالُ صَخراً إِستِحَاليّاً يَتعرَّضُ للضَّغط".
اقتَربَ "وَرد" منِّي، وَقالَ بحَزم:
"تعتَقدِينَ حقاً أنَّ الحَبَّ بجَلالَتِهِ وَتَبجِيلِهِ سَيكُونُ سَطحِيّاً كعِنَاقٍ غَابرٍ؟"
اتَّضَحَ لِي أنَّنِي في زِنزَانَةِ الدُّرُوسِ وَثَنايَا الوَاقِع، صِرتُ أَبكِي وَأَصرُخُ صُراخاً جَائِشاً وَأَتَرجَّى:
"أَخرِجُونِي مِن هُنا.. حَرِّرُونِي من هذه الأَغلَال!"


استَفَقت..
نِمتُ كُلَّ اللَّيلِ على أُرجُوحَةِ حَديقَةِ المَنزِل، نَسِيتُ هَاتِفي بِجَانِبِي وَقَد اتَّصَل بِي "وَرد" مِن مَنفَاه ليُوقِظَنِي.
كُنتُ أُعَانِقُ رِوايةَ "الحُبّ وَالخَيال، وَسِيطُهما الوَاقِع" التي كتَبتُ مُعظَمها وَعَجزتُ عَن حِياكَةِ خُيوطَ الخَاتِمة. السَّاعةُ الآن الخامسة فجراً، أستذكِر ذلك الهَدسَ الفَظِيع وَما لقَّنَني مِن تَعَالِيم.
عِندَ هذه السَّاعة، بدأتُ بتَدوِين حُلُمِي الذي صَنع نَسِيجَ خُيوطِ الخَاتِمة.


وَها قَد خَرَجتُ مِن ذلك الكَونِ الضَّيِّقِ مُتأَبِّطةً دُروسًا جَمَّةّ أَشعَلت جَمرَ الطُّمُوحِ وَالعَمَلِ في رُوحِي.


النِّهَاية.

تعليقات