القائمة الرئيسية

الصفحات

"جثة هامدة" بقلم: هيا غندور - سوريا

"جثة هامدة"


الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، الأضواء جميعها منطفئة بعيدًا عن سواد الليل الهالك، هناك ضوء خافت يدخل من الشق الرفيع بين الباب وأرضية الغرفة.. المكان هو غرفتي المظلمة السوداء، بكمية المشاعر المخيفة داخلها لا بعتمتها.

صوت مروحة السقف يكاد يخترق أذني، تكات الساعة...
كما أن السرير يصدر أصواتًا كلّما تحركت، إلّا أنّه منذ نصف ساعة بالضبط لم يعد يصدر أي صوت، لم؟
ربما لأنّي الآن جثة هامدة لا أتحرك ولا أرى، إنّي أسمع فقط، وحتى الأشياء التي أسمعها لم تعد تصل إلى عقلي ليفسرها، إنّي أكتفي بالسّماع فقط.

محاط بخيبتي، مثقل بأحلامي، ضعيف بعاطفتي، مذلول بكبريائي، مكابر على أَوجاعي، قوي وأنا أجهش بالبكاء عذرًا حتى هذا توقف الآن لم أعد أبكي، أنا حقًا جثة هامدة…أترقب اللاشيء، لست أدري لماذا أنظر إلى سقف الغرفة منذ وقت يقارب الساعة وهو أسود ومعتم بالكامل. ربما أحاول نسج أوهامي، لست آبه كثيرًا بكونها أوهام رغم سخرية الجميع كنت أكثر سعادة عندما اختبئت بها.

أأنا مريض نفسي؟
أهم فعلًا قادوني إلى الجنون؟
هذه لحظة انهيار كامل للحظات أم أنّي فقدت عقلي بتاتًا؟!.
توقفت أوتار قلبي عن لحنها، عندما قرعت طبول الآلام بداخلي، فأحسست أنّ السّواد امتلكني، وسيطر البؤس على جسدي.

توقف قلمي عن الكتابة، هبّت الرّياح فتطايرت أوراق كلماتي، غصّت الحروف بمعانيها، وبات إحساس الكلمات لا ينبض.
إنّ ما بداخلي أعمق بكثير من أن يتيح لي الطفو على سطحه، إنّ التّشابكات التي تملأ عقلي أصعب من أن تسمح لي بإيجاد باب الخروج.
المشاعر المفقودة، المفردات الضائعة، كل ذلك يقطع طريقي نحو السكون الذي لطالما لم أرفع بسقف أحلامي عنه.
فكم من تفاصيل صغيرة تمسك بيدينا، لتأخذ بنا إلى الأعماق. حيث دفنت الذكريات، وتركت القصص دون نهايات.
نغرق في تلك الأعماق، لتصبح ذاكرتنا سطور بلا كلمات وتظهر في عيوننا الدمعات والكلمة الناقصة هي: "إنّهم لغارقون في السطحيات".

لا أعلم، لكن كلّ شيء يخيفني، ليست الأصوات ولا الظلمة ولا حتى كوني جثة هامدة.
لقد بت أهاب السعادة، تأقلمت مع كوني هكذا...
لا أحتاج المزيد من الصفع، فهل للجثة التي فقدت كل أفراد عائلتها في الحرب وخسرت منزلها وبترت يدها إلّا أنّ الحياة لم تتكرم عليها بمسمى الجثة، لتعيش بين أضلاع الموت كل يوم بقلب ينبض باللاحياة، ويحسب عليها العيش لو لم تعشه...
هل لها أن تستيقظ؟

تعليقات