القائمة الرئيسية

الصفحات

"الحبُّ هنا وهناك" بقلم: جيهان سامي أبو خلف

"الحبُّ هنا وهناك"


ما زال التفكير السطحي، حيّ يُرزق فينا لا محالة.
يعكّر صفو الإنسان ويغيّر الحقائق، يتلاعب ببدايات ونهايات القصص والروايات والأحداث.
فلا نصل به لتلك الحيثية التي أرادنا الرّاوي الوصول إليها في روايته مثلًا.
ولا نصل لتلك الحلقة المفرغة من صراعات الأمم، ولا نصل لفحوى الخبر الذي تتراشقه وسائل الإعلام، ولا لتلك الفجوة التي أحدثتها براكين الخداع الاجتماعي.


بل ويتلاعب في التاريخ، ويشوّه حقيقة الزعامات والأحداث والانتصارات، من خلال القراءة بسطحية. ونظرة هامشية، وزاوية ضيّقة متشنجة، مما يجعلنا نرى المتخاذل بطلًا، والكرّار فرّارًا، والظّالم مظلومًا، والمعتدي صاحب حق..


فنرى الهزيمة نصرًا، والنصر هزيمةً، وتنقلب المعايير وينْخلُّ بهذا ميزان الحقّ والعدل، فتعترينا الضبابية في أحكامنا.


كل هذا لأنّنا ننظر إلى قشرة الأمور، ونحكم على الكتاب من جمال وفخامة الغلاف، ونتذوق اللّحم قبل أن ينضج..


نحْمِل الشيءَ على وهلته الأولى دون أن نوْلي الأمر القليل من الجهد والوقت، لإعْمال العقل وإجباره على الغوص قليلًا وصولًا لعمق الأشياء، كي نجد تلك النظرة الصائبة في الأمور، فنكون ممن لم يُنقِصوا ولم يزيدوا على الحقيقة شيئًا، فنُحسن الحُكم ونُصيب الهدف المرجوّ.


هذا الأصل في النّظر للأمور، ولكنّ المُشاهدَ والواقع بعيدٌ كل البعد للأسف..نعم هناك أمور حياتية لابدّ أن تؤخذ ببساطة حجمها، ويتوجّب مداراتها والتجاوز عنها لتسهيل وتخفيف ثقل أيامنا التي نعيش، إنّما ليست الأمور العِظام ياكرام. فلكل أمرٍ وزنه وعليه يكون الحكم سواء بالتعمق فيه أو التجاوز عنه.


فأحيانًا يكون النّظر لعمق الأمور هو ما نريده ونرجوه، عندما ننفتح للآخر ونشاركه محبةً بحروفنا وكلماتنا وأفكارنا ولحظاتنا، نريده أن يغوص في أعماقِ أفكارنا ومشاعرنا علّنا نجد من تتوائم معه أرواحنا فتكون مُعينًا لنا في خلواتنا وسكناتنا ونشد ببعضنا عضُضَنا، هذا ما نحبه وهذا هدفنا، ولكن في الغالب، ماذا نرى بالمقابل؟
لا شيء سوى سوءَ الفهم والتقدير، وسوءَ الظن والتأويل.


وبالمثال يتّضح الحال ولعل به يكون الاعتبار.


اخترتُه لبساطته ولكثرة انتشاره في شرائحنا المجتمعية،فعندما يدْرِج أحدُنا لفظ (الحب) في منشوراته وعباراته، أو يستمع لأغنية ترقق القلوب فتجتاحها كلمات الحب، أو يردد أبيات قصيدةٍ تراكيبها تكتظ بالغزل والعشق.



أول ما يخطر على بال أولئك أصحاب التفكير السطحي أنّ هناك قصة حب ما تحوم في جوّ القائل، فيذهبون بتفكيرهم السطحي إلى تلك العلاقة التي تربط الذكر بالأنثى.


هذا فقط، ولا شيء آخر!
أمّا بقية المناحي التي أساسها الحب والتي تتّسع لتشمل الأرض والسّماء وما بينهما فلتذهب إلى الجحيم.


فهذا اللفظ في ثقافتهم الفكرية يكاد يكون مُحرّمًا، وكأنّه عورة لا يصح أن يقال إلّا من وراء حجاب.
ولا يندفع أحدكم رجاءًا وينفي ذلك، فهو واقع وواقع جدًا، والويل كلّ الويل لو أنّ الفتاة هي صاحبة المنشور، أو اعتادت ترديد أبيات القصيدة تلك! لأكلنا من لحمها وهشّمنا عظمها، ونالها من التّنمر والتّكهن والبهتان ما نالها، وانتشر خبرها بسرعة تفوق انتشار فيروس كورونا، حفظكم الله.


تراهم بدؤوا بنسج القصص والروايات وأتقنوا الحبكات، وجسّدوا الشّخصيات بكلّ إتقان يتلائم وحبكة الجهل الذي يعيش بهم ويقود سفينة تفاهتهم إلى شطوط الظلم والتّعدي.


إنّها مهزلة، ما يحدث مهزلة يا سادة.
لو أمعنتم قليلًا لفهمتم أنّ الحب يتخطى فكرة انجذاب حسّي أو تبادلي بين جنسين، وهو مشروع بالمناسبة في كل الأديان، بل هو فطرّي جبلي فينا إنٔما جاءت الشرائع من زمن سيدنا آدم وحتى بعثة المصطفى صلى الله عليه وآله، لتهذبه وتقدمه لنا بكل مفهوماته التي قد تتبلور منه وعنه، فتقدمه بصورة لائقة بمفهوم الإنسانية.


فالحب هو ذاك الشعور الطاغي الذي تسمو به أرواحنا وتتدفق لأجله دماء في شراييننا فتزلزل كياننا قائلة:
انتبه يا هذا: أنتَ إنسان.


هو شعور يفجّر لديك مئات الأسئلة في لحظةٍ يتملكك بها، سائلا نفسك: ما الذي يحدث لي؟


هو شعور يجعل عاليك سافلك وسافلك عاليك تختلّ فيها موازينك، ويهجرك منطقك


وعقلك وفهمك بلا حول منك ولا قوة..


هو شعور يفتـح أوجاع عمر كامل، كلّها تتسارع لتسجّل حضورها في قطار ذاكرتك المتسارع.


أوجاع يقلّبها ذاك الشعور الرّائع بقوته الخارقة لتستحيل إلى حب وتسامح ورحمة.


هو شعور يُحيي فيك الحنين إلى كلّ جميل، جمال الأمكنة والأزمنة والمخلوقات والجمادات العالقة في زواياك الدقيقة، الخجولة البريئة التي تنتظر بكلّ أمل وشغف أن يُدقَ بابها لتخرج بكامل تألّقها وعنفوانها.


هو شعور يأخذك لرحم أمك الذي تعلقت به أول تكوينك ومنه وفيه كان درسك الأوّل لمعنى الحب السّامي.


معنى الحب، أوسع بكثير من أن يكون ذاك السِّحرُ الباهي الذي يسيطر على الذكر والأنثى فيجعلهما واحد، ومنهما يولد نبض الحياة كلها واستمرارها.


فالحب نجده متجلّيًا في عيون قطة صامتة ممتنة لأنّك ملئت جوفها، أو لامست بلطافةٍ جسدها، فتميل برأفة ورقة عليك لتدغدغ بشرتكَ شاكرةً مُحِبةً ممتنّةً. فلا تستطيع أن تترجم مشاعرها وحبها الفائض لك إلّا مواءًا.


الحب نجده في ورقة نباتِ زينةٍ تمسح ما عَلِق عليها من غبارٍ فتعكس بريقَ اخضرارها عليكَ امتنانًا وفرحًا.


الحب هو رائحة التّراب تلك، العريقة الأصيلة المتجدّدة المنبعثة من أعماق الأرض حين نحرثها لنطمرها بالبذور، فتغدق عليكَ بدورها خيرَها ولا تنسى منك معروفَ حرْثِها.


الحب هو هطول ماء السّماء ليلامس شغاف الأرض قائلًا لها: كم أحبك.
فتحتضنه شوقًا وتُزهِرُ بالورود والخيرِ حبًّا وبهجةً وزينةً تسرّ بها الناظرينَ.


الحب نجده في إطلاق عصفورٍ من قفص ذهبي تعلق قلبكَ به، لكنّه ما زال حزينًا، فتحررهُ إلى الأفق الواسع، رأفة منك وعدلًا، فيطير مسرعًا إلى ملكوت ربّه مغردًا مزقزقًا فرحًا.


الحب هناك، في ذاك السّر الخفي بين الروح والجسد،
الحب هناك، في سجدةِ قلبك لخالقٍ لا يحيط به عقلُك، وكلّما عجزَ عن فهمه اقتربَ منه بلا كيف، فـعرفَ وذاقَ وراقَ له فعَشِقَ وغَرَف.


الحب تجده هناك في روايات جدتي، وفي حضن أمي، وفي ليالي السّمر والأنس مع أبي.


الحب تجده في ضحكة الأطفال، وغنج البنات، وقبلة الأزواج، وتماهي أرواح الأحباب، ورضى الأخوة والأخوات، ودعم ونُصحِ الأصدقاء.


الحب في مساعدة الغريب، وفي بسمةٍ تطلقها في وجه المارِّ والجار، وفي مسحةٍ لرأس اليتيم ومعونة الفقير، وفي قول لطيف لمن أضناه التعب وخذله الأمل..
الحب نجده في كلّ جميل يا سادة..


الحب هو ذاك الطّيف الذي لامسني صغيرةً وترعرع معي شابّة قوية، وعليه وبه سأموت وأفارق راضية مرضية، فالحب يكون في حسن ثقتي بخالقي الذي يسجد له القلب راكعًا وتبكي له العين خاشعة، والروح تهتزّ لرحمته راجية أنّه لن يعذبها طالما حبه فيها مازال قائمًا وساكنًا..


الحب أعظم من أن نحصره في كلمات وسطور بل بالعكس، عندما يكون في أوْجِهِ فلا يترجمه إلا الصمت، الكل في حضرته يخشع ويذوب، ولا يبقى مخرج لنا إلّا لغة القلوب.


المفازة بين السطح والعمق في الحب مثلًا: هي المفازة بين الثرى والثريا يا أحباب، وهكذا في كل الأمور التي تطرأ علينا وتعترينا، كلها بلا استثناء، فلكي نصل لتحقيق الأصل من المراد ومن حقيقتها لابدّ من الجهد الحثيث لتجاوز القشور والغوص في أعماق الأمور.


فلْنحاول أن ننزل قليلًا إلى الأعماق وكفانا عِشقًا للسّطوح والطنطنات. ولله در الإمام الأكبر محي الدين بن عربي حين قال:


"أدينُ بدينِ الحبِّ أنـّى توجّهتْ ركائبهُ، فالحبُ ديني وإيماني".

تعليقات