القائمة الرئيسية

الصفحات

أقصوصة "نورزال" بقلم: نور عادل حَمِّصْ


"نورزال"

كان يا مكان، كان هناك شخصية كرتونية في عالم الخيال اسمها (روبانزل)، وكانت هناك فتاة في الواقع اسمها (نور) وبعد الدمج بين الشخصيتين، والواقع والخيال أصبح لدينا شخصية جديدة اسمها "نورزال"
تعالوا سويًا نتعرف عليها في هذه القصة والأحداث المثيرة.
في التسعينات من القرن الماضي كانت هناك فتاة غريبة في بيئة جديدة، غريبة في تصرفها وفي شكلها فقد كانت تملك شعرًا طويلًا ممتدًا كبساط خلفها. ولكن، بعد أن أتت هذه المدينة قامت بقصة لتوافق ما هم عليه، لكن كانت بعيدة كل البعد عن المحيطين بها في أفكارها، ومعتقداتها، وطريقتها. فقد كانت طريقة الآخرين بالنسبة لها مبتذلة وسطحية في التعامل مع من حولهم.
كانت فريدة في كل شيء، تسعى دائمًا للتّغير رغم صغر سنّها ملولة بطبعها تحب التجديد دائمًا، يغلب عليها نوع من العصبية والمزاجية مختلطة مع بعض الحكمة والحنكة.
تعرف في قريتها بالمشرقة، شكلها: متوسطة الطول، طويلة الشعر، ملونة العينين. كانت تخاف على شعرها الأشقر الطويل من الاستغلاليين، أن يأخذوه ويبيعوه في زمن كثر فيه التصنع وتغيير الأشكال.
هي فتاة طيبة، قوية الإرادة بطبعها، اندفاعية، تحب الوصول للقمة بأي ثمن، مهما واجهت من المشاكل.
كان لها من الأعداء ما يعد على الأصابع، فقد كانت تعمل جاهدة أن تبقى نورًا وضاءًا يذكر بالخير.
وفي يوم من الأيام وكانت قد بلغت الخامسة عشرة من عمرها وبينما هي تشرب كوبًا من العصير في شرفتها المطلة على ضفة النهر لمحت بعض الفتيات يرتدين زيًا موحدًا يحملن الكتب والفرحة تعلو وجوههن، أسرعت إلى جدتها التي كانت تقطن عندها وقالت: جدتي إلى أين تذهب الفتيات؟
ضحكت الجدة ثم صمتت بحزن وقالت: إلى المدرسة يا أميرتي التي كان من المفترض أن ترتاديها وأنت في السابعة من عمرك لكن ظروفنا، وخروجك من القصر ومجيئك المفاجئ إلى هنا لم يسمح بذلك فليس لنا من المال ما يكفي لشراء حاجيات المدرسة، من الكتب، والدفاتر، واللباس، وأقساط المدرسة. أحسّت (نورزال) بغصة تخترق قلبها الصغير وقالت: جدتي أريد أن أتعلم مثلهن.
قالت الجدة: عزيزتي إن كنت تريدين ذلك فقد أصبحت شابة، اعملي وكافحي حتى تحصلي على ما تريدين فكما ترين لا قوة لي للعمل.
وفي الصباح الباكر بدأت (نورزال) تبحث عن عمل في شتى أنحاء المدينة باحثة عما يلائمها ويلائم استطاعتها ويحفظ كرامتها.
لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، كما ظنت (نورزال)، وبعد فترة من البحث الدؤوب وجدت عملًا عند تاجر بالقرب من منزلها علم قصتها ولما تريد العمل فكان رجلا محترمًا صادقًا يحسن معاملة الآخرين. سعدت (نورزال) بالعمل معه وسرعان ما تعلمت أساليب البيع والشراء فكما قلنا أنها ذكية صاحبة شخصية قوية وسريعة البديهة تفهم من الإشارة ولذلك أعجب بفطنتها صاحب المتجر، وضاعف أجرتها في أقل من شهرين.
زينت السعادة وجه (نورزال) المتورد، وأسرعت لتخبر جدتها وتسعد قلبها بهذا الخبر، لكن!
وصلت إلى منزلها وأصوات البكاء والنحيب تضج في أرجائه..
من هؤلاء؟
ومن أين أتوا؟
وما كل هذا؟
ولماذا البكاء؟
تلك الأسئلة كانت تدور في بال (نورزال)، التي لم تعلم بعد أن جدتها تركتها في دنيتها وحيدة، وفارقت الحياة بعد ذهابها للعمل هذا الصباح.
نعم..
لقد عادت (نورزال) وحيدة لا أحد حولها، ولا أحد يحس بها أو يسمعها كما لو كانت في برج عال لا تستطيع النزول منه، ولا يستطيع أحد الصعود إليه، كانت تبكي بصمت دون أن يشعر أحد بذلك فقد اعتادت أن تبقى قوية متماسكة بنفسها لا تنتظر من أحد أن يمسح دمعتها مهما حصل.
وبعد عدة أيام، بدأ الدوام للفصل الدراسي، فأسرعت لتسجل اسمها في قائمة الطلاب المتقدمين..
لتقابل المدير ويرفض تسجيلها بسبب عمرها ياللصدمة!! ما العمل؟
قال المدير: يجب أن تلتحقي بدورة محو أمية ثم تقدمي الامتحان كل سنة لتصلي للشهادات.
حزنت (نورزال) في بادئ الأمر لكن قوة إرادتها منعتها أن تستسلم، بدأت بالبحث والسؤال عن الدورة، وتكلفتها، وأين؟
وبالصدفة علم صاحب المتجر بالقصة فساعدها وطلب من ابنته الجامعية أن تساعدها وتعلمها الأساسيات والقواعد. وبالفعل، بدأت (نورزال) تذهب كل يوم عند ابنة التاجر وتأخذ دروسا عندها، وبعد مرور ثلاثة أشهر كانت (نورزال) قد تعلمت كل شيء فلديها من الذكاء والفطنة ما يجعل الأمر يسيرًا على المعلم في تعليمها.
وتقدمت للامتحان وكانت تحصل في كل مرة على أعلى الدرجات، وكانت توفق بين عملها ودراستها ما أذهل أهل المدينة فقلة قليلة يستطيعون ذلك في مجتمعهم فقد تفوقت في مجالها العملي والعلمي، ودخلت الجامعة وحصلت على الاحترام والاهتمام، فقد كانت مؤدبة خلوقة محترمة محتشمة بين أصدقائها. طفلة في تصرفاتها وكلماتها، عفوية في تحركاتها وضحكاتها، ينبع من قلبها ماء الورد المصفى الذي شرب منه كل من تعرف عليها، لترتقي في حياتها محاربة كل الظروف والعقبات ناجحة في كل المجالات، متجددة دائمًا. لا شيء يطفئ عزم قوتها وإصرارها ولطافة مبسمها.
وهذا يا سادة ما حدث مع صديقتنا (نورزال)، والسبب إرادة سكنت أحشاء قلبها الصغير ليُخرج شابة فريدة إلى هذا العالم الكبير.

تعليقات