القائمة الرئيسية

الصفحات

"قدر" بقلم: خديجة احمد حشري

"قَدر"


وَعِندَما زُرتُهُم وَجَدتُهُم أَموات، أَمواتًا بِعقليةِ الآبَاء.
أَيَموتُ أَحَدُنا وَهو بِحاجَةٍ لِعِناق؟
بِحاجَةٍ لِحُضنٍ وأَمان...
خُطواتُ نِعالٍ تَدنو مِن بَعيد، أَعرِفها وَتعرفني، لَطالما حَطَّمت جَسدي وَهشَّمت رأسي، يَصرخُ صَوتٌ في داخلي، الخوفُ يقتربُ ثانيةً من جديد.
وَفَجأَةً سُمِعَ صَريرُ الباب، الجَميعُ في نَشوَةِ الفَرَح.
السَّعادةُ تَلُفُّ المَكان، لا يُسمَعُ إلا صَوتُ المُوسيقا والقهْقَهات.
-صَمَتَ قَليلاً ثُمَّ قَال: أَتَظُنَّونَ بِأنّي مُتُّ؟
وَذُرِفَت مِن أَعيُنِهم دَمعَةُ قَهرٍ وَخُذلان، دَمعَةٌ تُذرَفُ في الأَحزان..
وَقَالوا: إِنَّها الأَقدار ثَانيةً تَفتِكُ بالأَرواح.
قَبل خَمسِ سَاعات،
في صَباحِ يَوم الإثنين وَفي تَمامِ السَّاعةِ العاشِرة، طَلَبَ والدي مِني أَنْ أُحضِرَ لَهُ بَعضًا مِنَ الثياب وأُعِدَّ له المُؤنَة مِن الطَعام التي تَكفيهِ لِلمُكوثِ خَارِجَ المَنزلِ لِعِدَةِ أَيام.
ارتَسمت على وجوهِنا ابتِسامَةُ راحةٍ واطمئنان، أَسَنتَخلَّصُ مِن شَناعَتِهِ لأيام؟
أَسَنضحَكُ في غيابِهِ لِساعات؟
وَنَتسامَرُ الأَحاديث وَتعلو ضَحَكاتُنا مَعَ الوَسُّوف لِثلاثِة لَيال؟
حَمَلَ أَبي أَغراضَهُ مَع كَثيرٍ مِنَ الشَتائِمِ التي رَماها هُنا وَهُناك...
لا بَأس، سَنصبِرُ لأجلِ راحَةٍ لثلاثةِ أَيام.
وَمرَّت أَجمَلُ أَربَعِ ساعات، ليُطرَقَ الباب!
مَنِ الطارق؟
صَوتٌ مَألوفٌ اقتَحَمَ المَكان، هَدِّؤوا مِن رَوعِكُم وَتمالَكوا أَعصابَكُم
مَا الخَطب؟ صاحَت أمي...
قَارِعَةُ الباب: عُثِرَ عَلى جُثَّةٍ في الجِوار، في قَريَةٍ تُسمَّى قَريَةُ التُعَساء، وَهَويَة زَوجُكِ مَرمية عَلى حَافّة الطَريق
قيلَ أَنَّ رَجُلًا سَقَطَ مِن الطابِقِ الثالث، لِتَتَلَقَفُهُ شَاحِنَةٌ مُسرِعَة وَتَرميه قَتيلًا، حَوَّلَتهُ إلى أَشلاء لَم يَتُم التَعرُف عَليه إلّا مِن هَويَتِهِ.

مَثلت أُختي دَورَ المَصدومَةِ وَأصابَها الإِعياء غابَت عَن الوَعي لِبُرهات...
سَقَطت دَمعَةٌ مِن عَيني وَتَسرَّبَ الكِحلُ إلى وجنَتي،
اكفَهرت مَلامِحُنا وَغدَت مَلامِحُ المآتم تُزيَّن وجُوهَنا.

لِتَستأذن جَارتنا بالرَّحيل قائِلةً: الأعمارُ بيدِ الله، لِيرحمُهُ الله كانَ جَارًا هَينًا، لَينًا، طَيبَ المَعشر... وخرجت.

لَم تَسعنا الفَرحة وَقُرِعت طُبول الأفراح، لَيست لِثلاثة أَيام. لا، الوَسُّوف لِجميع الليلات.
وَفجأةً، سُمِعَ صَريرُ الباب!
مَاذا عَن الهوية؟
مَاذا عَن الشَّاحِنة وَالأشّلاء؟

تعليقات