القائمة الرئيسية

الصفحات

" برقيَّة ميتافيزيقيَّة " بقلم: سارة ميلاد الزيتون - سوريا

 برقيَّة ميتافيزيقيَّة


دخلتُ إلى مَكتبِي الخَشبي العتيقِ متعجِّلًا، رتَّبتُ أَوراقِيَ المُبعثَرة وَلصَقتُ المُمَزَّقَ مِنها، أعدتُ إِطَارات صُوري مع ذِكرياتِي إلى حيث ما كانت عليه، انتزعتُهَا من الزُّجاج المُكَسَّرِ المُلطَّخِ بالغِراء كالقَلب المُحَطَّمِ -بعد الصَّدمَاتِ المُتلاحِقة- المُلطَّخِ بالدِّماءِ الزرقَاءِ البارِدة، وَبدأتُ أُدوِّنُ بأحاسِيس بارَّةٍ رسالةً إلى الرَّب، لم أُخبِر أَحدًا بمضمُونها..

بعدما انتقلَ الحِبرُ إلى الوَرقِ وَكفَّيَّ، طويتُ الرِّسالةَ وَوضعتُها في ظرفٍ متواضع، لم أكن بحاجةٍ الى تَحديدِ عنُوانِي وَوضعُ الطَّوابِع البَريديَّة، حتَّى إنِّي لم أكتُب اسمي، فقط كتَبت:
"مِن عبدكَ المِسكينِ المُصابِ بالهِستِيريا".

خرجتُ إلى شُرفتِي وَرمَيتُ البَرقيَّة نَحوَ السّماء، فطَارتْ مع ورقِ الشَّجرِ الخَريفِيّ، قد تكون هذه الأَوراق أَتت مُصادفةً لتُوصلَها إلى ذلك الأُفق الميتافيزيقيّ الغَريب، الطَّويل لتَصل بعد بضعةِ سنين ضوئيَّة إلى المُرسَل إليه.

رجعتُ إلى مكتبِي الخشبِي العاتم، اتَّكأت عليهِ وَبدأتُ أشهَق، هَاجس البُكاء عادَ مُجدَّدًا لأُحاربَه بأسلحةٍ لا تعدُّ أسلحةً أصلًا -أَوراقي وأقلامي والأَثاث-، لكنَّ مجيءَ شبحِ أمّي كان مباغِتًا، ارتعبتُ، لكنَّها ضَمَّتنِي، فبكيتُ بجَأشٍ وَصرختُ:
"لماذا رحلتِي وتركتِني أُجابِهُ أشباحَ البُكاء السَّوداء بمفرَدِي؟!
أرجوكِ عودِي ولا تكونِي أنتِ الشَّبح الأَبيضَ الوَحيد، لا أُريدكِ شبحًا، أرجوكِ!"
وهي تخبرنِي: "لا تخَف، أنا هنا معك، لستُ شبحًا ولا روحًا، وَلا وجُودَ لأَيِّ شَرٍّ هنا، كفَّ عن العَوِيلِ يا صَغيري".

عذوبةُ صوتِها صدَّنِي عن تخَريِب غُرفَتِي هذه المَرَّة، وَفعلًا ما صَارِ كانَ مُبهمًا..
استفقتُ من هُجودِي مذعورًا أخيرًا، وَوجدتُ أمّي ماكِثةً في مَهجَعِها، حلَّت الطُّمأنِينةُ على فؤادِي وعادَ الدَّم فِيه أحمرًا شَغوفًا، وَتنهَّدتُ، حَمدًا للهِ أَنَّها لم تَمُت حقًا... عانَقتها وأَخبَرتُها بما رأيت، فملأَ صوتُ ضِحكتها المَكان، بشَّرَتنِي بأنّ بَرقيّتي قد وصَلتْ للرَّب.
كيف عرفتْ بأمرِها!؟

سألتها فصَارحَتنِي بأنَّها اطَّلَعَتْ على فَحوَاها عندما غفوتُ على الطّاولة..
أَلم تُحَلِّق إلى برِيد الغُيوم؟
كَلّا! أنا لم أَرمِها.. سطَّرتُها وَرحتُ أُخرِجُ دراما الأحلامِ الهَزليَّة في المنام..
تناسيتُ الأَمر، وَانطلقتُ إلى إحدى دورِ النَّشر لكي أطبعَ روايتي الورقية العامل عليها ستَّةَ أَشهر.

عندما أنهيتُ مشغَلِي في دار النَّشر، عدت إلى البَيت حيث أخشاب المكتب الكَئيب المليئ

بالقُرطاس، وجدتُ الرِّسالةَ بمَظروفِها، فأَيقَنتُ أنَّ الله سمعها من دَواخِلي، من صِراعِيَ الذَّاتي، هو

الوَحيد الذي لم يكن بحاجة إلى الوَرقيَّاتِ وَالنُّصوصِ لكَي يَعرِفَ حَالَنا..

وَعندما قرأتُ المَكتُوب حَلَّ التفاؤلُ فِيَّ وَآمنتُ، بنفسي وَبالمُرسَلِ إلَيه:

"مِن عبدكَ المِسكينِ المُصابِ بالهِستيريا، أرجوكَ أيقِظِني وأنقِذنِي مِن كوابِيسي".

النِّهَاية.

تعليقات