القائمة الرئيسية

الصفحات

"صديقي كانَ معي طوالَ الطّريق" بقلم: سلسبيل جميل الأعسر - سوريا

"صديقي كانَ معي طوالَ الطّريق"


أقدارنا وسِمت على صفحةِ السَّماء حتى قبل أن نولد، كانت هي السَّابقة ونحنُ اللاحقون..
فقدرنا كانَ ينتتظرُ أن نخرجَ من رحمِ أمهاتنا، ليبدأ معنا خطوةً بخطوة، ويعزف لنا صخبَ الحياة على شكل ضحكات مكللة بالحب. في سري شكرتُ الله مرارًا وتكرارًا على نعمةِ اليقين، بأن أقدارنا في يدِ الله الرَّحمن الرَّحيم. وبأنّه خطَّ لنا أجملها في كتابه العظيم لأنّهُ الله، ولكن دائمًا كان يراودُ عقلي بإلحاح شديد سؤال...
هل الأصدقاءُ مقدورنَ لنا أم نحنُ من نختارهم؟
كانَ هذا السّؤال يترددُ في مخيلتي كلّ مَساء وصباح.. يا تُرى من صديقي؟
أهو من البَشر؟
هل يمكن أن يكونَ من كوكب المريخِ مثلًا، أو رُبما صديقي شَجرة..
توالت الأيامُ والسّنون والسّؤال مازالَ يعصفُ في رأسي، فكلُّ صديق كان يمرُ بي كنتُ أفكرُ، هل أنا الذي اخترته أم الله من وَضعهُ لي في طريقي؟
أتذكرُ في إحدى المراتِ التي كنتُ أذهبُ فيها لزيارة جدتي في الرّيف مستقلة القطار لأصل، كان عليّ استغلالَ هذا الوقت النَّادر لي من الخلوة في التفكيرِ جيدًا في جدوى وَمعنى الحياة، ولأستغلَ وقتي أكثر، أمسكتُ كتابي الذي أهدتني إياهُ صديقة مقربة من قلبي وغصت به...
لمْ أنتبه لشرودي الذي أصبح يلازمني كظلّي إلّا عندما علت أصواتُ الركاب من حولي وتذكرتُ بأنّني على متن القطار. في الأونة الأخيرة، وبعد خساراتي للعديد من الأصدقاء، أصبحَ كلّ انشغالي، من صديقي؟
وأينَ هو؟
لذلك قررتُ أن أنفضَ عني غبارَ هذا السؤال، وأن أستمتعَ برحلتي وأكمل قراءةَ الكتاب الذي استطاعَ بكلماتهِ أن يأسرني ويشتتَ تفكيري عن كلِّ الفوضى التي تدورُ في عقلي، أغلقتُ عيني وسمحتُ لنسماتِ الهواء أن تداعبَ حقولَ خديّ، راجيَّة من الله أن يعطيني إجابةً عن هذا السْؤال الذي يحاصرني. فإذا بدمعةٍ تسقطُ من عينيّ عنوة لتستقرَ في إحدى، صفحاتِ كتابي حولَ كلمة خُطّت بطريقةٍ استثنائية، "أنا صديقك".
أفاقت كلّ حواسي حينها، وضرباتُ قلبي باتت وكأنّها موصولةٌ بتيارٍ كهربائي شعرتُ بقشعريرةٍ لم أشعر مثلها من قبل، توقفَ القطارُ عن المضيّ، سَكن النّاسُ أمامي بدَّو وكأنهم تماثيل، بتُ على هذهُ الحالة خمسُ دقائقْ ولكنّها بدت لي وكأنها عُمرْ. احتضنتُ كتابي حينها بطريقةٍ ملأت كلَّ ثقبٍ أسود بداخلي، وعادت أوردتي وعضلاتي بالتَّمدد، أخذتُ شهيقًا كان مليئًا برائحةِ الحنين، وقررتُ أن أتابعَ ما خطهُ كتابي، كانَ عبارة عن جمل يفصلُ بينها إشاراتٍ غريبة!
لم أفهم مَاهيتها، كانت تبدو لي كشجرةٍ ربما وربما لا، فتجاهلتها وقررتُ أن أكملَ القراءة..
جملتي الأولى كانت أنتَ أنا، حتى وإن مالَ الزَّمان علينا وفرقنا الهوا..
أنتَ أنا كسماءٍ وماء، حُذفت سينك فعدتَ أنا..
أنتَ وأنا كطريقٍ يوصلُ الأشخاصَ لنفس الوجهة لنلتقي في نهايتهِ فأدعوكَ، يا أنا.
صديق، رفيق، وبكل الأوقاتِ متاحٌ لكَ عبرة مشقةِ الطَّريق..
أنهيت تلك الجمل، حينها سمعتُ صوتَ صافرةِ القطار تعلنُ عن توقفه، ابتسمتُ واحتضنتُ كتابي، وضحكتُ على غبائي فَصديقي كان معي طوال الطَّريق..
"ابحث عن ملاذك بأكثر الأشياء التي تحوي روح، علكَ تجدُ ذاتكَ فيها، كالكتاب.
الصَّديق ليس من الإنس فقط، فأحيانًا تتعثر بصديقك على هيئة كتاب.

تعليقات