القائمة الرئيسية

الصفحات

"مجرد وهم" بقلم: هجر بالمقدم - المغرب

"مجرد وهم"



وفجأة.. فجأة عُدت أشعر بالوحدة تعتليني.


كل تلك اللحظات الجميلة التي أنارت دربي وزرعت في قلبي الأمل من جديد، بعد أن حَيَيْت، أن عادت شفاهي للانحناء بتقعر، أن تغلبت عن ذاك الشعور المثير للشفقة؛ -الشعور بالرغبة في الانعزال وخلق عالم يخصني بعيدا عن ضجة العالم الخارجي-، بعد أن قهرته بصبري وبرودة أعصابي.. ها قد عاد من جديد، ها قد اكتشفت أنه يعيش داخلي ويستحيل التخلص منه أبديا.



مهلا.. أنا أستطيع التفكير بإيجابية حتى وأنا غارقة في قعر أفكاري المظلمة، أستطيع رؤية فتحة النور تلك، تلك التي كانت تحاول لفت نظري منذ زمن بعيد، إلا أنني لم أكن لأكثرت لها لولا إلحاحها المتكرر. نعم أستطيع؛ فجميع الناس يعيشون نفس حالتي أحيانا، أليس كذلك؟ أكيد!
فلماذا أحس بالحزن بينما أستطيع الإحساس بالفرح، إنها مجرد مسألة حَسْحَسَةٍ لا غير. لماذا آخذ الأمور بكل تلك الجدية؟
تلك الأفكار الجامحة التي تعتريني حول شيء ما حدث في الماضي، كل ذلك الاهتمام الذي أعيره للتفاصيل، عن الحاضر والمستقبل، عن لحظة مقصودة مفصلة.هل لأنني أنثى وعاطفتي تستهويني؟ أم لأنني عالقة في دوامة هاجسية تجعلني أعجز عن التمييز بين الصواب من الخطأ! سارحة بأفكاري شتان بين فكرة وخطة، لا العقل أقنعني ولا القلب أنصفني. كما لو أن ضبابا مرتدا يحجب عني رؤية الحقيقة، بينما أعيش حياة شاغرة أُسَيِّرُها تَبعاً لحدسي العبثي.. إن الحدس شعور بديهي خُلِق للتيقن لا للتأمل المنطقي.



إن فكرة الصمود وسط حرب داخلية ليست بِالهَيِّنة كما يعتقد البعض، فما أن تكون حاملا لضمير ذا مصداقية عالية، إلا وتعيشُ ثلث يومك مُضطهَداً شقيّا، لا تَقوَى على الاضطجاع وسط كَومة من النصائح والتأنيبات التي يوجهها لك هذا الخادم النزيه.
أنام على وَقْعِ صخب صامت يعتريني..، يراودني الهجوع بعد زمن سامق وكلي أفكار تنهشني.


قرارات تَتَمَكَّبُ دورها لِتُتَّخَذ، قلب يجادل العقل بعد أن تعاهدا على خوض معركة دامية تُشفي الغليل، وذكريات تتسلق سُلَّم النجاة حتى تَبرز بشموخ؛ بعد أن آكلها الدهر والانسياب، فلا ملاذ للخلود من باب الشك والارتياب، وما بزغ في العنان من حبيب، إلا وبُزوغَ الشوقِ والغياب، وما غاب المرء عن حبيبه، إلا وضاق اللومَ والعتاب، فمالت رؤوس الجِمالِ نحونا حتى ظنت الرمالُ أنه الحساب.



إني لأسمع صوت الصراخ والثرثرة في رأسي، ليس من باب السذاجة ولا النباهة، ما هو بالحمق ولا البداهة؛ بل هو نقاش جِدِّي صوب الحقيقة، وما كان للحقيقة يوماً من سبيل إلا البديل. لم يعد صوت الحقيقة يَكفيني بل صار يُشفيني، من قعر كل ظلمة حالكة يُعليني، حتى أَصرف نظري عن كل ما لا يَعنيني.. وهو دمعةُ عين جارفة لا يُكفيني.


أدركت يوما أن غلو السهد يُورِث برود الأعصاب وإتقان فن التجاهل. ليست مسألة "خشونة الدهر" كما عهدنا أن نجيب، بل هي عبرة تُستنتج بعد حل خواريزميات مُستنبطة من تفكير معمق وسط السواد، تجدها أثناء عبورك لِطابور الحقيقة المهجور، والذي هُجِر في سبيل عيش سعادة مؤقتة إن لم ننعتها بالمزيفة المضللة.



تلك اللحظة التي يمكن أن نسميها "لحظة الاستسلام"؛ اللحظة التي تكون فيها قد وصلت إلى مرحلة البرود، برود القلب؛ ليس من شيء محدد.. من كل شيء.


اللحظة التي تكون فيها مقاومتك قد بلغت ذروتها، سواء مع شيء أو شخص.


لكن، هذه المرة وللأسف الشديد، دون أي رد فعل يذكر، فلم تعد تملك الطاقة لفعل أي شيء آخر.
في هذه النقطة بالضبط، سيكون لديك إحساس واحد فقط.. وهو العجز، كأن جميع الأبواب قد أقفلت في وجهك ولاشيء سيعود لسابق عهده.



تلك الشعلة التي كانت متوهجة في داخلك وتُحركك.. قد انطفأت وأغمَدتك رفقتها.
ستعيش حالة سكون لمدة، لا تتبادل أطراف الحديث مع أحد، ولا تتفاعل مع فوالق الحياة. تأكل أي طعام مطهو، وفجأة تصبح مستمعا جيدا لهموم الآخرين. ستشاهد أي برنامج معروض، ستحمل أي كتاب أمامك، ستدخل حساباتك الشخصية على وسائل التواصل الإجتماعي لتخرج منها بنفس الملامح الجامدة، لا شيء يثير انتباهك البتة.



ذلك الشخص الذي كنت تنتظر رسالة منه بفارغ الصبر سيراسلك، لكنك ستبتسم بسخرية ثم تمرر الرسالة. جميع أولئك الذين اعتادوا التأخر في الجواب سيجيبون، حتى ذاك الشخص مجددا. صديقك، قريبك أو أي شخص كان. لكنك سترد ببرود، ستضحك رُفقته ضحكة فارغة بلا استمتاع، ضحكة ممزوجة بالغضب والعجز واللامبالاة؛ ستترك كل شيء.



ستشعر أن كل همومك بدأت تزول، كل شيء يأخذ الطريق الصحيح لوحده، كأن الحياة تريد مصالحتك دون أي مجهود منك. كثيرة هي الأشياء التي كنت تريدها وأصبحت تأتيك لوحدها، لكن لماذا الآن؟
لِمَ لَمْ تأت حينما كنت أقاتل من أجلها وأنتظرها؟ لِمَ لَمْ تأتِ عندما كنت أتفاءل وأقاوم من أجلها؟ لماذا تأتي الأشياء متأخرة بعد أن كرهناها ولم نعد نرغب بها؟
ربما كانت لا تستحق منذ البداية، ربما كانت تلك الطريقة الوحيدة لنفهم أننا كنا نصوب اتجاه الهدف الخاطئ منذ البداية أيضاً.



ربما لأن القادم الذي ينتظرنا أجمل وأحلى، من يدري، لعله خير..
في إحدى الأيام.. سَيضمَحِلُّ ذلك الألم الذي عِشتَه بمفردك، سيتخذ صورة جديدة ولامعة، ستغمرك السعادة بعدما تخرج من هذا النفق المظلم.



سيأتي يوم..، تلتقي فيه شخصاً على هيئة تعويض لكل تلك المشاعر المُدَمرة في داخلك.. من طرف أُناس ابتعدوا عنك وتركوك في منتصف الطريق عالقاً.



سيأتي يوم..، تُصبح فيه أفضل من ذي قبل، سيحيط الأمل مُهْجَتك، ستتلاشى كل ذكرياتك الوَخِمة والسيئة واحدة تلو الأخرى، حتى تصوّرك المفزع للمستقبل.



كل تلك الأفكار الذابلة ستضحي رماداً، لِتُزهِرَ وأفكاركَ من جديد..
لا تتذمر من حياتك، لا تيأس منها ما دُمت في عنفوان الشباب.
تجَاهَل آراء الناس الواهنة، حتى وإن هَرِمْت.. لا تيأس.



عليك أن تعلم يا صديقي أن ذلك الألم مجرد جزء عابر في الحياة لا مُخَلّٓدَها، مجرد رسالة تحمل بين طياتها مجموعة كلمات تنفرد بالصبر والحكمة والتخطيط لما هو أجمل باذن الله.



عليك أن تعلم يا صديقي أنها -لم ولن تجتاز- مُجَرَّدَ كونها مُسَوِّغات لتصيرَ أقوى، أشجع وأشد صموداً أمام كلٍّ ذلك التَأَوُّهِ الذي قُدِرَ لك..



عليك أن تعلم يا صديقي أن كل تلك الأحداث مُؤقتة مُرتبة، سَتُزيحها بِهِمَّتك وصلابتك لِتَتَوَسَّمَ نوراً يضيء نهاية ذاك النفق المظلم من جديد..



لقد كان مجرد وهم.. ستخرج منه لا محالة. فأنت تستحق الأفضل!
مقتطف من كتاب: "فلسفة النجاح: هدف أم تسلل؟"

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق