القائمة الرئيسية

الصفحات

أقصوصة "فتاة وليام" بقلم: صفاء يونس عامر - ليبيا

"فتاة وليام"


السابعة صباحًا

أشرقت الشمس بخيوطها اللامعة ويوم جديد
بتفاصيل أكثر. في بيت كبير بخلفية زجاجية يتوسط حديقة خضراء بأقواس من زهور، واللافندر، والزنبق،
وشرفة خشبية مفتوحة على الهواء الطلق تتدلى منها أوراق شجرة.
وعلى طاولة الطعام، اجتمعت العائلة...

صباح الخير يا أولاد هيا تناولو الافطار بسرعة سنتأخر على المدرسة، بالمناسبةستكون عمتكم في انتظاركم بعد الظهيرة على الغداء. فأنا ووالدتكم سنذهب خارج المدينة، هناك مركز أبحاث قد نصحني به أحد الأصدقاء.
مدللتي الصغيرة هل أنتِ جاهزة اليوم؟

لم ترد علي كعادتها بصوتها الرنان ومرحها البريئ.
نظرت لها مطولًا، وتفحصت كل قسمات وجهها...
انخفاض أنفها، طول المساحة بين أنفها وشفتاها العليا،
شفاها الممتلئة، وانتفاخ عيناها الزرقاء كلون البحر، أغوص فيهما وأشعر بالأمان. يا ابنتي،
رغم أنها تمتلك ملامح غريبة إلا أنّها كانت الأجمل في عيناي فهي آخر العنقود.
بحزن شديد وقلق قالت:

لا أريد، فقد تعبت لا جدوى من ذلك يا أبي.
ورغم صعوبة نطقها إلّا أنّها انفجرت تقول:

إنّنا نحاول دائمًا لكنه الألم ذاته، الصعوبة في الحديث،
ألم قلبي، وصعوبة التنفس، جرعات الاكسجين، أصبحت عادات يومية.
علامة الفتق في بطني والجراحات...
إنني أتقبل نفسي ولكن تعبت، وأنتم أيضًا.

إنها على حق، لم كل هذا التعب يا أخي؟
منذ ست سنوات، وأنتم بين الأطباء والمستشفيات،
لديها عيب خلقي في القلب والأوعية الدموية،
حركتها ضعيفة ولا تتعلم بسرعة،
تخاف الأصوات العالية،
لديها فتق في البطن،
يكفيها جراحات دون فائدة اتركوها لله، إنّها إعاقة تقبلوها كما هي..

انفجر الدم في عروقي، وكظمت غيضي احترامًا لها أمام أطفالي، ولكن لن أسمح بأن يحزن قلب صغيرتي المريض.
يكفي يا أختي إنها ابنتي قطعة من قلبي، ولو بقى يوم واحد في حياتي، سأسعى لأراها بخير دون أن تعاني
رغم كل ماقلتي، هي طفلة جميلة، ورقيقة ذات صفات فريدة لايملكها أطفال كثر.
ولكنها لن تلعب معهم يومًا، لم تدرس، لم يتقبلها الأطفال، تجد صعوبة في التواصل معهم.
وقف (ساجد وسامر وسدن) بجانب سماهر،
وقالوا بصوت واحد: لا ياعمتي
إنها ليست معاقة، تتعلم بصعوبة لكنها تستجيب لدروسها، تتعلم ببطئ لكنها ستجتاز كم اجتزنا صعوبة الحديث.
ثم قال سامر:
لا ينقص منها شيء، تختلف عنّا لكنّنا بجانبها، سنساعدها على تعلم قدرات التواصل،
ومن ثم سدن بكل شراسة قالت: ستتحسن أختي وستنعم بصحة جيدة، نحن نثق في الله أولًا، ولن يذهب هباء هذا التعب.
ثم أنهت أريج هذا الحديث:
أرجوكِ يا مروة، فأنتِ تجرحين عائلة بأكملها.

كانت زوجتي حساسة الروح مرهفة القلب لكنها قوية، وهكذا أولادي يشبهنها، أدمعت عيناها فورًا بعد حديثهم
واحتضنتهم بقوة.
قاطعتُ هذه اللحظة الحميمية، وقلت: هيا لدينا طريق طويل إلى مركز الأبحاث..
هيا يا أولاد.
أوصلنا الأولاد للمدرسة، وغادرنا المدينة، والأمل يملؤ قلبي، وإيماني بالله كان أقوى.
كانت أريج تحتضن سماهر بكلتا يديها، وتتمتم بالأدعية. عند وصولنا تثاقلت خطواتي وأنا أحمل صغيرتي بين يداي، وأدعو الله أنني راضٍ بقضاءه. لكنه قلبي يا الله، أشعر بالتقصير تجاهها منذ لحظة ولادتها،
والدتها تعتصر ألمًا من داخلها، ولا تنطق لكنّني أشعر وأرى كل شئ في عيناها.
أتسأل كل ليلة، كيف سأرحل من هذه الحياة، وأتركها
أخذها الأطباء وقاموا بفحص عينات دمها بعد انتظار دام لمدة ساعتين.
أرسلونا إلى رئيس قسم الوراثة والجينات في الطابق الثاني، وما إن ولجنا للخروج من المصعد بات الممر طويلًا حتى الوصول إلى غرفة رئيس الأطباء أصبحت بعيدة.
دائمًا طريق الأمل يكون طويل ومرهق، لا أنكر فقد يكون نهايته سرابًا خيبة، أو نجاح.
لكن في كل مرة كان الإيمان بالله أقوى.
كانت سماهر تمشي منهكة بلا روح، وكأنّها استسلمت هذه المرة، ضغطت على مقبض الباب كغريق يتعلق بقشة هممنا بالدخول...
غرفة كبيرة ذات طراز قديم، وطلاء أبيض، وأرجائه تحوي بعض قطع الأنتيكا، يتوسطه مكتب الطبيب. انتبهت إلى اسمه على لوحة خشبية مزخرفة..
أ.د حسان عادل
استشاري علم وراثة وجينات
كان عريض المنكبين، أسمر اللون، أخضر العينين، كثيف الحاجبين، أبيض الشعر، خفيف الظل، بعد حديثه معنا.
وأخبرنا بتفاصيل حالة سماهر كنا نعرف نصفها، ولكن النصف الآخر كان القسم الأكبر منها، وهو الذي نجهله،
بعد عناء ست سنوات تمكنّا من معرفة حالة سماهر،
تشخيصها أنها متلازمة وليام.
هي متلازمة نادرة جدًا في العالم، ولذلك يصعب التعرف عليها.
ومن أسبابها عيب خلقي، في الكرومسومات، وخلل الأوعية، وأنه لا يوجود علاج لها.
ويجب عدم إعطاءها الفيتامينات وخصوصًا الفيتامين (د)، لأنّه يرفع الكالسيوم في الدم.
فقلت بإيمان أنه قضاء الله وتقبلناه لا اعتراض.
كانت أريج تذرف دموعها، بصمت ولم تنبس بكلمة،
حديثًا أنها تستطيع ممارسة حياتها بحذر، كما تعلمون الآلام تخف مع المسكنات بعد الجراحات نعم، ليس لها علاج فهي كالمتلازمة داون.
لديها أب قوي وأم حنون، كما أرى ستكون بخير، هذه الصغيرة المذهلة كان يجلسها على قدمه ويخبرها أنّها لا تختلف عن باقي الأطفال وآن كنتِ مختلفة، فهذا تميز ليس نقص أثق يا جميلة الابتسامه، أنك ستتمتعين بحياة رائعة فأنتِ قوية كوالدك. التفت بعيناها التي تحمل لون السماء، وابتسمت بثقة وقالت:
نعم كأبي ورغم صعوبة تعلمها والعقبات إلا أنّها وجدت نفسها أخيرًا، وتخطينا الصعاب معًا بعنفوان الشباب والأنوثة الرقيقة، لم تمنعها إعاقتها من امتهان ماتحب. كانت لعبتها المفضلة في الصغر البازل، وها هي اليوم تلعب بمقصها، والباترونات، وخامات الأقمشة، لتظهر بمزيج متناسق من التصاميم المميزة، تهانينا الحارة لمصممة الأزياء "سماهر جمال".
ها هي تخرج الليلة في نهاية عرض مجموعة تصاميمها لموسم الصيف،وتلقى كلماتها البسيطة قائلة:
شكرًا لعائلتي ومن ساندني أولًا وأخيرًا.
أؤمن جدًا بما قال(ستيفن هوكينج):
"لا تجعلوا الإعاقة تمتد إلى أرواحكم، كما وصلت إلى أجسادكم"
لم تمنعني الإعاقة يومًا من الإبداع، وها أنا اليوم، أثبث نفسي وللعالم أننا رغم الاختلاف نستطيع الإنجاز.
و على غلاف المجلة ظهرت صورتها صباح اليوم التالي للعرض، وهي ترتدي تصميمًا من أناملها بزخارف ثراثيًا، قد شد انتباه الكثير، أصبحت محط أنظار صحافة الموضة. وكما تحب دائمًا أن أكون متحدثها مع الصحافة لرواية قصتها، ورحلة وصولها فهي تقول عيناك تتحدث عني، وقلبك يصف مسيرتي يا أبي.

تعليقات