القائمة الرئيسية

الصفحات

"أنت الضائع هناك" بقلم: لينا سرحان - سوريا

أنت الضائع هناك


حيث رائحة المطر، حيث عطري وشالي القرمزيّ الذي نسيته يومًا في غرفتك المظلمة.
أنت الراحل للبعيد حيث ظلّي والقمر
أنت..
ليس هنا سوى صمتي وموسيقاك، ليس هنا من سينقذ الحلم من القدر.
وليس لي إلّا مسافات وعشب وضحكة طفل صغير يناغي في صدري.
قلبي يحبكّ ما دمتَ هنا بين النبض والحياة ووحدك من سيدوم بين جميع الأشياء.
أنت الذي تولد كل يومٍ بعد موت الوطن.
أنت الضوء الذي يتتبع عذابات خطاي وتلاحق بوح حزني.
عند كل هدأة ترعاني من البكاء، حين انشقت شمس النهار عن دمشق، وسقطت أمطار اللهفة بعد الغناء
ظللت أغني وأراقص الوقت استجداءًا لصوتك.
كنتُ أعرف أنك بحاجة لهمسي لتستدل على حزني
وتحبني أكثر.
لا شيء هناك سوى قلبك، حيث تآكل السنين، تترقب صوتي المثلوم، تنعي فراغ مكاني، وتتبلّد مشاعرك أمام فظائع الحروب. تصبح حجرًا، تصبح كائنًا صدِءًا.
تمارس شعائر الأديان جميعها مستنجدًا الإله أن يرزقك صوتي في ظلام ما، يؤنسك وقت الموت ويهدهد على روحك بأنّي ما زلت على قيد الصلاة واللهفة، أنا يا قريب.
وبعد أن تنازلتُ عن رفاقي جميعًا اكتفيت بمعطفك المطريّ وبعطرك الفرنسي كما نبيذٍ لنسيان دقائق الليل الأولى، أقرأ لهداياك بطولات قصتنا، وأهدي قلبك دعاءًا مغروسًا في سجادة الصلاة علّه يبعد عنه نزلات الهلوسة، لم يكن لديّ سبيل للتواصل معك سوى الصلاة والترقب فلا تلمني.

أصبحتُ من الفقراء المقهورين والنادمين جدًا، ليس ندمًا لوجود حبّك المجنون في حياتي، إنّما ندم على الأيام التي تمرّ بدونك.
ترى هل استحواذك على عواطفي بأكملها أمرٌ خارق لقوانين الدنيا والحياة؟
يعتليني شعور الخوف من المجهول..
المجهول الذي يحوم حول حقيقة المسافة التي تركلني كلّما شعرت باقتراب اليوم الذي ألقاك فيه.
ليس لدي بعد الآن استعداد للبقاء دونك وليس من الممكن بعد هذه الأحلام المتقدمة من حبنا أن أتخلّى عنك.
كنت في حالة هذيان في الأمس حين هدأت الريح
بعد أن اقتلعت قلبك وأجزائك جميعها.
كنت تستجمع شظاياك بدوار الخوف، سمعت باسمي يحاول أن يجذب أشلائك الحزينة.
ما كنت صاحبة الحضور وقتها صدقني، فقد كانت أسمائي التي تناثرت في جميعك بلا استثناء تستعيد جأش صمودك، وغبار انتظاري الذي تجمّع في زواياك يحاول خلق غيمة تهطل بعضًا من الحبّ على قفارك.
نعم، فقد ارتطمت بتفاصيلك رغم شحّ اللقاء، خفت أن أضيعك ثانيةً وألقاك يومًا بلا اسمٍ ولا صوت يضمّ حبنا
رافقتك في عزلتك وصمتك جنونك وجموحك.
ورغم مأساة المواقف التي شهدتها معك قاومت البقاء،
اخترت أن أتناثر في كل مكان، خشية أن أعيش فجيعة فقد الأمل برجوعك إليّ.
أمل!
نعم، هي تلك الكلمة التي حدّثتني عنها ذات غياب،
ناظرت الشجرة التي أشرت بيدك إليها واعدًا لي، أن تأتِ بعد أن تتساقط منها جميع الأوراق.
وها هي اليوم قد احترقت وحولوها لدخان..
أتعلم، كم حاولوا استنساخ أغصان تشبهها ليعيدوا لقلبي الأمل.
ذهبت هي أيضًا، شجرة الصفصاف والأوراق، حيث مطر الخوف والمنفى والاشتياق.
وحيث انطوت الطرقات وعزلت أقدام العودة من الغربة
كنت قد وعدتني بعودتك
وكنت قد وعدتك حينها أنّي بدونك لن أكفّ عن البكاء
وها أنا أبكيك فقدًا ووعدًا ووفاء.
ترى من منّا لم ينقض بعهده إلى الآن؟!
من؟

تعليقات