القائمة الرئيسية

الصفحات

"بوح" بقلم: فاطمة جميل الأعسر

"بوح"


ها أنا أيّها البحر أعودُ إليكَ ناكساً بكلِّ وعودي..
أعودُ إليكَ محمّلًا بالخيباتِ التي أثقلتْ كاهلي،
وبالدّموعِ التي حرقتْ داخلي.
أريدُ منكَ عناقًا لا شيء آخر.
احتضنّي وبالغْ في احتضاني، ساندني في مخاضي لولادةِ دمعٍ يبحثُ عنْ مكانٍ ينتمي لهُ، ويريدُ لمائكَ أن يكون انتماءه.
ها أنا ذا أعودُ لأشتكي منّي إليك، فقد تهتُ وتاهتْ خطاي، ولم أعد أعلمُ من أنا.
في داخلي متاهات لا يدرك كنهها إلا الله...
أنا الذي كنتُ سابقًا أطيرُ بجناحين من حب، وأتوسّدُ السّماءَ غيمةً غيمة، لتمطرني على هيئةِ ابتسامات، لمْ يعد الفرح يعرفُ طريقه لقلبي وكأنّه قد أضاع البوصلة.

قلبي الذي كنتُ أمشي عليهِ عوضًا عن قدماي، توالتْ عليه الخيبات، فأغدتهُ طريحًا في جسدٍ يحيا حياة لا تشبه الحياة.
أتعلمُ معنى أن تخسر نفسك؟
شغفك،
حلمك،
وطنكَ، ومن أحببتهم وأحبّوك...
أتدرك حجمَ الألمِ وأنا أعرّي أحزاني أمامكَ؟
أنا الذي لمْ أكن أُظهِرُ ضعفي لأحد..
أتدرك معنى ألّا أرتجي منك النجاة؟
نعم، أنا الغريقُ الذي لا يرتجي منكَ نجاة.
لا تغضبْ وتدفعْ موجكَ نحوي،
لنْ أزيد حملًا فوق حملك، أنا فقط أتوضأ بمائكَ لأغسل أحزاني، وعندما أنتهي خُذها إلى اللامكان علّها تنساني وتخرجُ منّي كما أخرجتها أنا الآن.
أتعلم يا صديق، من ليسَ له صديق...
ويا ملجأ المتعبين، ووجهةَ المهمومين، أنّنا نحنُ أبناء آدم رغم كلّ القوّة التي نُظهرها ضعفاء من الدّاخل.
نحتاجُ لأيادٍ حنونةٍ تطبطبُ على أكتافنا، وقلوب تحتضنُ قلوبنا، فنحنُ رغم كلّ السّواد المنتشر ما زلنا نحيا بالحبِّ ونموت دونه.
نحنُ أبناءُ آدم، لم نولد بفعلِ خطيئة..
كانت مقدّرةً لنا الولادة..
نحنُ آبناءُ آدم،
بِضعفهم وقوّتهم..
بِخيرهم وشرّهم..
بِكرههم وحبّهم..
ولدنا من طين،
لا من نور ولا من نار..
لسنا بملائكةٍ ولا شياطين
نتعب،
نفرح،
نضحك، وَ نبكي.
دعكَ من كلّ هذا الكلام، وشاركني الآن ياصديقي الضّحك، ولنرقص على أنغامِ المطر أريد أن أشعر بروحي تحلّق.
لاتضحك عليّ فأنا لم أجن بعد، بل اضحكْ معي،
فبعد نوبةِ البكاءِ استكانتْ روحي، وكأنّني بعدَ ولادةِ الدّموع قد ولِدَتْ نفسي من جديد.

تعليقات