القائمة الرئيسية

الصفحات

"اللّقيطة" بقلم سَاره عبد النّاصر الرّتِيمي

"اللّقيطة"


منذُ أن فتحتُ عينايَ على هذه الحياة، وجدتُ نفسي مُقيّدة بقيودٍ لا ذنب لي فيها، توالت السنين وأنا مقيّدةٌ بأكبالِ جريمةٍ

اختفى مجرموها وكنتُ أنا الضّحيةُ فيها، سِرتُ كفتاةٍ مهمّشة تُلاحقها أنظارُ المجتمع أينما ذهبت؛

لا فرحة في حَياتي اكتملت ولا معنى الحياة عرفت؛ تأخذُ الأيام مسيرتها المعتادة والتي بظنّ البشر أنها تجري كما الرياح

حينما تعصِف، ولكن في الحياة التي أعيشها أؤكّدُ أن الأيام

ما هي إلا ثوانٍ تمر بجرعاتِ سمٍّ في عروقي، يمرُّ عاماً ويليه عام فأشعرُ بانقباضٍ في قلبي لأنني كبِرت؛ وكيف لي أن أفرح

بازديادِ ألَمي!!

أنا الفتاةُ المحكومُ عليها بالوجع، بالإذلالِ، وبالحرمان من أبسطِ حقوقها حتى، أنا الفتاة التي نَامت أوّل لياليها في أحضانِ رصِيفِ

إحدى الشوارع، الفتاة التي لا تعرف عن نفسها شيئاً سِوى ذلك الاسم الثنائيّ الذي أطلقته دار الرعاية عنها،

الفتاة التي إن حاولتْ منعَ أحدِهم من التقرّبِ منها سنّن سكاكين لسانه جارحاً لمشاعرها بقوله أنكِ فتاةُ حرامٍ

وستبقين هكذا مهما حلَّلْتِ نفسكِ من ذلك، فأنا المقيّدة بقيودٍ لم أضع لها يوماً اعتبار، أنا السجينةُ المظلومة بينَ أربعة جدران

لا يمكنني أن أصرُخ لأخرج ولا حتّى بمساعدةِ أكبر المحامين، أنا التي يُراودها شعورٌ بالكره دوماً،

كرهٌ لنفسها عندما تنظر للمرآة ظنًّا منها أنها طبق الأصل عن والدتها وإن لم تكن كذلك فحتماً ستأخذ

ولو شبهًا قليلاً من أحدِ والديْها، كُره لدمائِها لأنها ممزوجة بدمائهم الحبيسة

بداخلها، كرهٌ لهم لأنهم تركوها مجهولة الهوية هكذا، فلا أصلها معروف أو حتّى أتفه شيء عنها،

وأنا نفسها تلك الفتاة التي خُلقتْ نزوَةً في هذه الحياة، أنا التي ولِدتُ بسببِ غريزةِ مراهقين ناقصي عقلٍ ودين لم

يضعوا شيئاً في الحسبانِ سوى إشباع شهواتهم، أنا التي تشتاق لمعرفة والدتها وفي نفس الوقت وغالبيّته لا تُريد معرفتها،

على الأقل إن حققتُ شيئاً في هذه الحياة يُقال فلانة من فعلتها وليس ابنةُ فلانة المُربَّاة على يدِ غيرها،فلا أعلمُ ماذا أفعل!؟

 

هل أرفع يداي للسّماء داعية اللّهِ عن كلّ من فعلوا فعلتهم وتركونا نجني زرعهم المحرّم، أم أبتلعُ ريقي وأعضّ على شفتاي بكلّ

قوتي، فقط لأنّ والداي اللّذانِ لم أعرفهما يوماً هم إحدى فاعليها، منذ أن فتحتُ عيناي وأنا مهمّشةٌ،مبعثرةٌ، مشوّهةٌ،

ومحقودٌ عليها ، أنا التي إن أمسكت بقلمها وحاولت الكتابة، تغزو الدموع عَينَيْها وتُراودها قهقهاتُ قهرة، فكيف لي أن أكتُبَ

وأنا ... اللقيطة.

 
بقلم:

سَاره عبد النّاصر الرّتِيمي - ليبيا 

تعليقات