القائمة الرئيسية

الصفحات

"في محراب صمته" بقلم: غيثاء خليل سالم

"في محراب صمته"


كان يمضغ غضبه على مهلٍ.. يصبه على معدةٍ متخمةٍ بالانهيارات المتراكمة التي يصعب هضمها..

رأيته شريداً.. يضرب الطاولة أمامه بنقراتٍ صاخبةٍ من أصابعه النحيلة.. كأنما يبث ما تبقى من غضبه من أطراف أصابعه..

وأنا في الركن الأبعد من الغرفة أراقبه بصمتٍ.. أشاهد عينيه اللتين تحتضنان ثقباً في الجدار أمامهما من شدة التحديق..

أعد اهتزازات قدمه التي تسقط على الأرض تطرقها مع كل ثانية.. خُيّل إليَّ أنها ستون هزةً في الدقيقة الواحدة.. قد كان حريصاً

على ثواني قلقه ألّا تُهدر سدىً..

لفظ مصطلحاته الغاضبة.. لصرصارٍ لم يكن ذنبه سوى أنه قد جاء في وقتٍ خاطئ ليقتحم ثورته.. بين جدران أدنتها الثقوب

وشاركت في سكنها الحشرات..

كان كوكباً متقلباً لم أجرؤ على الاقتراب منه.. أحدثه بصمتٍ.. أبعث له مع عينيّ البعيدتين أدعية الهدوء..

كلماتٌ تجمعُها الروح الكامنة.. ويحمِلُها اللسان لأبوابٍ سماويةٍ علّـها ليست موصدة.

حملتُ نفسي.. حاولت احتضانه ببعضٍ من الكلمات الرتيبة الغبية.. كنت أعلم أنه لم يرد سماعها.. لربما لم تكن أذنيه على

استعداد لسماع أي صوت عدا نقرات أصابعه فوق خشب الطاولة..

تمنيت لو تمكنت من وضع أصابعي فوق شفاهه.. علَّها تؤدي دوري في تشكيل بسمته التي فشلت حروفي في رسمها.

وقفت بالقرب منه أكثر.. شعرت وكأنني أشتم رائحة احتراق قريبة فعلاً.. لأرى أن الأفكار في دماغه من شدة الاصطدام تشتعل..

وضعت يدي فوق رأسه الساخن.. أداعب خصل شعره بثبات..

قصة صغيرة.. حكاية قبل النوم.. صمت يعم المكان.. هدوء بدأ بالكاد يحتويني..

وصوت أنفاس تخرج من صدر ذاك الثائر النائم..

بقلم:

غيثاء خليل سالم - سوريا

تعليقات