القائمة الرئيسية

الصفحات

"في كل منا مقبرة " بقلم أفنان محمد عبد الكافي

في كل منا مقبرة


أكثر ما يشك الإنسان به هو نفسه ، يشك في قيامه بصلواته ، حتى يدعو الله أن يتقبلها ، يشك في صحة صيامه،

يشك في أحلامه رغم أنه من تمناها ، يشك في أقواله التي تنسب إليه ، يشك في منامته التي رأها..

مارينا ، كانت تشك بكل ما يستطع عقل الإنسان الطبيعي الشك فيه ، إلا هو ، من أحبته دهراً ،

ثلاث و عشرون عاماً مر على حبها له ، لم يفترقا نفساً ، تقبلا اختلافهما ، غفرا زلات بعضهما ، غنا في أزقة بحبال صوتية شاذة ،

رغم ذلك أمنت مارينا أن الحب لا يُعظم قدماً ، و إنما سعادة ..

لا يقاس الحب بالوقت لو استمر زمناً بأكمله ، الحب يقاس باللحظة ، طالما مرت لحظات عشقهما بولع و شغف ،

أوكلت مارينا ذاكرتها ل آدم ، بعد مرور أشهر من إصابتها بفقدان ذاكرة مفاجئ يصاحبه ساعات باللاوعي نتيجة تعرضها لصدمة

نفسية بعد فقدانها أمها التي توفت بسبب سرطان المخ ، بقي آدم عائلة ل مارينا فقد توفي والدها منذ أن كانت صغيرة بعدما تعرض لسكتة

دماغية ، تقبلت مارينا قدرها قائلة : يقال أن النسيان نعمة ، الشكر لله أريد أن تفرغ ذاكرتي من كل سوء و كل ما هو جيد ،

طالما أنك هنا فسأتذكرك دائما إن لم أكن أنا ف قلبي ، تبقى هذه الذاكرة باتساعها لك فحسب ، تخلّد بها آدمي ..

أنهت كلامها تمسك بيده ، عيناه تلفظان الألم ، يحادث نفسه : فلتصمد يا ادم بقربها ، و إن نستك تذكرها أبداً..

تقاطع قبلات مارينا حديثه الداخلي ، قبلاتها المببلة بدموعها على يده ، تتنفسه أكثر من أن تقبله ..

يقال في علم النفس أن الروائح تذكرنا بأحداث و أشخاص أكثر مما تفعل حاسة النظر ، كان لدى عشيقته حاسة شم مليئة

بالحب ، كل ما فيها يحيا ب آدم ، كأن آدم لا يحيا إلا بها ..

الأشد مرارة في الحب هو البعد ، و ما أمر من البعد إلا النسيان ، نتمنى النسيان بعد الفراق ، لو أن الحب الذي تخلل أجسادنا

كالدم يزول ، لكنه حقيقة لا يزول الحب إلا بزوال الدم ، لا يوجد ما هو مسمى نسيان في الوجود ، حينما نعشق أحداً و إن افترضنا

كرهه ، نظن أنه غادرنا ، ألا و هو مات بداخلنا .. بكل إنسان مقبرة ، من مات به الحب ، من مات به الضمير ،

من دفن فيه الوفاء ، من اختبئ بداخله الخذلان ، من عاشت روح العقيدة فيه ، من اختفت من ملامحه السعادة ..

 

في كل منا مقبرة ، أما عن مارينا فقد دفنت ذاكرتها بها ، من الصعب جداً أن تعيش فارغ بذاكرة فارغة ،

تجهل نفسك في المرآة ،

تسترع نظرك تجاعيدك دون أن تدرك سنك ، أن تفقد مسميات الألوان ، و يفقد جسدك لون المعرفة ،

تصبح ك صندوق لا يملأ إلا بالتساؤلات ، ألا تفرق بين الضوء و الشمس ، بين السماء و السقف ،

بين المنزل و الأرض ، بين الوسادة و الصدر ، بين المدفئة و الحضن ،أن تفقد أسماء جمة حتى اسمك ..

 

آدم انتقل منذ شهرين إلى منزل مارينا بعدما تدهورت ذاكرتها تدريجياً ..

يجلسان في حديقة المنزل ، في جو صيفي بحت ، يتمنى أن ترى ذاكرتها النور كما يراها نوراً لحياته رغم ظلامه بنظرها ،

تستلقي مارينا على عشب الحديقة اليابس لطالما قل الاعتناء فيه ، كل ما بات بمنزل مارينا مات ،

مارينا بلا ذاكرة ، تفقد الأشياء و الأشياء تفتقدها ، كانت صورها المعلقة على جدران

المنزل الموثقة لحظات مارينا السعيدة تبكي ، مارينا تتأمل السماء التي تتذكر اسمها الآن ، تقاطع صمت آدم ،

صمته بعد كل سؤالٍ لها عن هويته ليقول أنه صديقها ، لم تعد تذكره ، أما قلبها قد فعل ، كانت تحادثه بلطف و مودة رغم أنها لا

تعرفه ، لم تجرب أذيته حتى ، لم تخشاه قط في الأسابيع الأولى لانتقاله ، أخيراً سألته سؤال غريب عن سابقه..

 

ألا تشبه تلك الغيوم الشيء المحشو في الوسادة؟؟!

كانت تقصد القطن ، ذلك الذي يشبه قلبها ، يداها ، كلامها ، كيف يصبح ذاك القطن أسود ؟

غمرها بعمق ، كأنه يريد أن تدخل جسده ، أو يريد أن يعانقها حتى يبدوان شخص واحد ، يدرك انهما على مفترق الطريق ، ساءت

حالة مارينا فيما بعد فبدأت تؤذي نفسها ، قصت أهدابها ، أحرقت يدها ، رغم أنه لم يفارقها لحظة لكنها تصرفت بدهاء ، تستغل

اللحظات التي تظل وحدها حتى تبدأ الأذى ..

ليلة حقنها حقنة مخدر لتهدئ بعدما استاء من إيقافها عن الصراخ ، غفت على يده كشجرة خريفية ، تحتاج الراحة ، كل يوم تذبل

أكثر من سابقه ، نظر إلى وجهها ، قبّل جبينها بحرقة ، لم يتوقع الأذى منها ، هي التي كانت تصلي لأجله ، تدعو الله أن يحميه ،

تردد دائماً آدم أريد أن تحيا أكثر مني ، أخاف مفارقتك ، لا أعيش هذا العالم بدونك ، لا أتنفس إلا نفسك ، لن تدفئني الشمس

بقدر حضنك ..

استجاب الله لها ها هي تودعني ، مارينا سترحل قريباً للملائكة أصحابها ، تترك الأرض للشياطين أمثالي ، لم أؤذيك مرة يا مارينا

، لكني أسف على بعدي ، سنوات من عمرنا لا يوجد فيها أثرك ، بسبب غربتي ..

بكا آدم ، بكا كأنه فقدها الآن ، يخاف الإنسان الموت أما العاشق لا يخشى إلا الفقدان ، من فرط التعلق نخشى الرحيل في أي

لحظة ، ظل يبكي آدم حتى فقد وعيه بقربها ..

استيقظت مارينا ، وقفت على قدميها بلا توازن ، خرجت إلى الشرفة ، بقايا شعرها على ذراع آدم ،

و بقايا عشقه بقلبها ، نظرت للداخل ، نائم على سريرها ، ذهبت باتجاهه غمرته كأنها تعرفه تماماً ،

كانت تودعه ، مارينا تكره الوداع لكن لم تعد مارينا ذاتها ، انتشلت الوسادة من تحت رأسه و وضعتها فوقه ، خنقته حتى الموت ،

لم يستطع آدم مقاومتها فقد كان في شبه غيبوبة ..

لن تذعر بعد موته أبداً ، شعرت بأنها انتصرت كأنها فازت في لعبة ضحكت ضحكة جنونية بقرب أذنه قائلة : لا أعرفك و لذلك أنت

تستحق ..

آدم لم يفقد مارينا ، رحمة الله تبقى دائماً ، أنزل الملائكة لتأخذ آدم ، لن تشعر مارينا بفقده ، أسابيع تلت ذلك بقي آدم في قلب مارينا..

حتى باتت مارينا في قلب الله ..

 
بقلم : 

أفنان محمد عبد الكافي - سوريا

تعليقات